
جمدت في بلاصتي، ودمي برد في عروقي كي سمعت هذاك الصوت من ورا الباب. المفتَاح كان يدور بالعقل، وكل دقة تاع الكالون كانت تكتم نفسي ونفس بنتي مريم اللي حكمت في جليبابي بقوة وبدات ترعد، عينيها كانوا مبلعين وهي تدعي في سّرها والدموع شادين في رموشها. الصوت هذاك ما كانش غريب عليا، صوت حافظاتو مليح وعمري ما نغلط فيه… كان صوت يمّا! إيه، يمّا نوارة! لكن عقلي حبس، كيفاش يما واقفة برا؟ يما تسكن في ولاية وحدة أخرى بعيدة، وما عندهاش كاع النسخة تاع هاد المفتاح الجديد! 🔑
فتحت الباب بالسياسة، ويدّي كانت ترجف على المقبض لدرجة كنت راح نطيحه. أول ما تبّلع الباب وراها، شفت وجهها اللي كان مخطوف وصفر كي الليمونة، شافت فيّا وعينيها مغرورقين بالدموع، وحضنتني أنا وبنتي مريم ضربة وحدة وهي تلهث وكأنها كانت تجري في ماراثون، وقالتلي بصوت مخنوق ويدها على فمها:
“ندى… يا بنيتي، الحمد لله اللي مزالكم حيين! ربي طوّل في عمركم. لازم تخرجو من هنا درك حالا، عيسى راهو بايعكم وبايع الدار، وجايبلكم الكارثة اللي ما تخطرش على البال!” 😮
دخلت يما تجري للداخل، وغلقت الباب وراها بالترتاس (المزلاج) وزادت لفت المفتاح ثلاث مرات. قعدت في القاعة وحطت يدها على صدرها باه ترد النفس، وقالتلي والرجفة مزالها في صوتها:
“عيسى بليس الملعون… البارح في الليل، مع الـ 11 تاع الليل، غلط وصونالي في التيليفون بلا ما يفيق، وكي رفدت قعدت نسمع في الهدرة بلا ما يتولّي بلي الخط مفتوح. سمعتو يهدر مع واحد الراجل بصوت واطي ويقولو: (الدار لازم تشعل اللحْظة اللي نخرج فيها أنا ومور ما تبعد طوموبيلتي، ندى ومريم لازم يكونوا داخلها وبلا ما يفيقوا… رجّعها تبان لابان تاع تريسيتي ولا أكسيدو تاع غاز، المهم السيرفيس يتنقى كامل وموراها ندي الدراهم تاع لاسيغونس (التأمين) ونقطع البحور ونعيش حياتي).” 🛑
هنا برك، كلش ولى واضح في راسي كي الشمس الشارقة في عز الصيف! المشاكل، الخدع، الخيانات، وسفريات الشغل المزعومة لـ وهران… كلش كان تمثيل ومسرحية على جال طمع الدنيا والوسخ تاع الدراهم! عيسى، الراجل اللي شاركتو حياتي واسمي، كان حاب يضحي بيا وبالبنت اللي من صلبو، القطعة من كبدو، باه يعمر جيوبو! تذكرت المثل الشعبي اللي يقول: “ياكل مع الذيب ويبكي مع الراعي”، هكذا كان يدير معايا طول هاد السنين، يلبس قناع الحنين وهو يوجّد في قبرها وقبر بنتو.
ما كانش كاين وقت للبكاء ولا للصدمة، الخوف والحرقة رجّعوني سبعة برواح، وتولدت فيا قوة عمري ما حسيت بيها. حكمت يد بنتي مريم اللي كانت تبكي بلا صوت، ويد يما اللي كانت عيانة، وما خرجناش من الباب الرئيسي حيت خفنا يكون كاش واحد يستنى فينا برا في الزنقة. خرجنا من الباب الوراني تاع السطح اللي يدي للحومة الدخلانية الضيقة، وين الحيطان متلاصقة وقدرنا نستخباو في وسط الزقاق. 🏃♀️
خرجنا وخلّينا ورايا كلش: الذكريات، القش، الحوايج، والحياة اللي كنت نظنها أمان وسكينة. ومور ما بعدنا بزوج حومات برك، وحنا نمشيو بين الشوارع الضيقة، السكوت تاع الصباح تقطع بصوت انفجار قوي بزاف هزّ الحومة كاملة وزعزع الأرض تحت رجلينا… الدار شعلت فيها النار وجا اللَهيب طالع للسما في ثواني معدودة! عيسى نفّذ خطتو الدنيئة، وفجر الكوزينة باه تبان حادثة غاز.
الناس بدات تجري، وصوت الحماية المدنية (الاطفاء) بدا يتسمع من بعيد، والكل كان يحسب باللي متنا في وسط هداك الجحيم. لكن ربي سبحانو كان كاتب لنا عمر جديد، وصدق اللي قال: “عمر الشقا ما يزول، بصح ربي ديما مع المظلوم”. شفت في يما وبنتي، ودمعة حارة نزلت على خدي… دمعة تاع نهاية الخوف وبداية رحلة جديدة. من ذاك النهار، بدات رحلتنا في الهروب والاختفاء، ماشي برك من عيسى اللي يحسبنا رماد، بل من ماضي كامل كان مبني على خدعة قاتلة، وبدينا نكتبو في قصة حياتنا من جديد، بعيد على الشر والظلم، تحت رعاية ربي اللي ما يغفل ما ينام. ⚖️✨







