
في غدوة من الصباح، كانت السرايا في ضواحي تونس العاصمة غارقة في صمت غريب، كأنه الهدوء اللي يسبق العاصفة. حور منجمتش تغمض عينيها ليلة كاملة، كلام جدها قعد يدور في مخها كيف الساطور: “مش راجع وحده يا حور…”
وقفت قبالة مراية بيتها، تلم في شعرها وتغزر لوجهها اللي تبدل في أربع سنين؛ الطفلة الصغيرة المكسورة كبرت، وزادت زيانت، وقرايتها في الفاك عطتها ثقة في روحها، أما قلبها؟ قلبها قعد مستني في نفس البلاصة.
فجأة، سمعت صوت كرهبة وقفت قدام الباب الكبير، وتبعتها حركة غير عادية في الدار. قلبها دق بالقوي وقريب يخرج من صدرها. مشات بخطوات ترعش وشي من داخلها يدفع فيها باش تشوف. وقفت في أعلى الدروج وتدفقت عينيها للّوطا…
كان هو. ياسين.
زاد عرض في كتافو، وملامحو رجعت أرجولية وأكثر حدة، والسمورية التونسية اللي زادتها غربة فرنسا هيبة وسحر. أما الصدمة اللي خلت حور النفس يتقطع من صدرها… كانت اليد اللي شاددها ياسين بكبسة قوية.
كانت طفلة صغيرة، عمرها ما يفوتش الثلاث سنين، عينيها زرق كيف البحر، وشعرها أصفر كيف الخيوط الذهب، لابسة فستان صغير وتناقز بفرحة وهي شادة في يد ياسين وتعيط بلغة فرنسية مخلطة بالتونسي: “بابا.. وصلنا؟”
الدنيا دارت بحور. ياسين عرس؟ وعنده بنية؟ أربعة سنين كانت كافية باش ينسى العشق اللي رباها عليه وباش يبني حياته مع غيرها؟ الدموع جمدت في عينيها من قوة الصدمة.
الجد خرج من مكتبه، غزر لياسين ولطفلة الصغيرة، وعينيه دمعت. ياسين قرب من جدو، حبس على يده وباسها بكل احترام، وقال بصوت رخيم رجع الروح للدار: “أهوكة وفيت بوعدي يا جدي، ورجعت… ورجعت الأمانة لأصحابها.”
الجد غزر للطفلة الصغيرة وابتسم: “مكتبتش الصداق في الغربة يا ياسين؟”
ياسين هز راسه باللا، وغزر لفوق… وين واقفة حور. عيناهم تقابلوا في نظرة حارقة طيرت العقل. نظرة فيها لوم، وعشق مخبي، ووجيعة سنين.
ياسين طلع الدروج خطوة بخطوة، وعينيه منزلتش من على وجها، حتى وقف قبالتها بالظبط. الطفلة الصغيرة قعدت شادة في سرواله وتغزر لحور بخوف.
ياسين بصوت دافي فيه بحة غريبة: “هذه لينا يا حور… بنت عمي المرحوم، اللي عياش في فرنسا. عمي عرس بغاورية وماتوا الزوز في حادث كرهبة ملي أربعة سنين، وخلاولي الطفلة هذه أمانة وصية برقبتي. سافرت وجريت في المحاكم باش نجمت نأخذ حضانتها ونقيدها باسمي ونجيبها لتونس.”
حور حست بروحي رجعتلها بعد الموت، غصت بالبكاء وقالت بصوت يرجف: “يعني… يعني أنت ما عرستش؟”
ياسين قرب منها خطوة، ونحى الجمود اللي كان مغطي وجهه سنين، ومد يده ومسح دمعة هابطة على خدها بحنان كبير وقال: “نعرس بغيرك؟ وأنا اللي عشت أربعة سنين في الغربة ميت بلاش بيك؟ خرجت خاطرني كنت نخاف عليك من روحي، كنتي مزلتي صغيرة ومحبتش نربطك بيا بالسيف… أما توا، كبرتي يا حور، وصرتي قداي، وما عادش عندي حتى عذر باش نبعد.”
حور غطست وجهها بين يديها وتبكي بالدموع، أما المرة هذه دموع الفرحة. ياسين هبط على ركابه، وجبد من جيبه خاتم سمح يلمع، وغزرلها بعينين مليانة بالحب: “توا يا لالة حور… تقبل تجدد الصداق وتعيش معايا ومع بنتنا لينا، وتكون أنت أمها ومرتي الحلال قدام ربي والعباد؟”
حور هبطت لبركابتها بجنبه، وعنقت الطفلة الصغيرة لينا اللي ضحكت، وغزرت لياسين وقالت وعينيها تلمع: “أنا عمري ما حبيت وعمري ما باش نحب راجل غيرك يا ياسين… موافقة من كل قلبي.”
الجد كان واقف من لوطا يغزرلهم ويضحك فرحان، وقال بصوت عالي: “مش قتلك يا بنتي؟ يطول ليله ويعود… أهوكة رجع وجاء يجري وراك!”
وانتهت سنين الفراق والوجيعة، وتلم شمل العشاق في وسط السرايا التونسية، وبدات حياة جديدة مليانة بالفرحة والدفو اللي حرمتهم منه السنين.








