
شقّ سكات الليل صوت عياط وصرخات مرعبة جاية من الدار اللوطة، صرخات خلت الدم يجمّد في عروقي.. كانت أصوات ما هيش بشرية، بين الصياح والتخبيط، وكأنّ الدار شعلت فيها النار ولا دخلها ملك الموت!
نزلت الدرج بكسر السرعة، ورايا رانيا طالعة من بيتها ترعش وبنتنا بين يديها تبكي. كي حليت باب دار بابا، هالني المنظر اللي شفته: أمي ملقاة في القاعة تتخبط وتعيط بصرخات تجرح الحلق، شفايفها زرقاء ووجهها أصفر كالقماش، ويدها شادة معدتها اللي كاينها باش تتقطع! وعلى بعد خطوات، كان بابا الحاج عبد العزيز طايح بجنب الطاولة، ينشج وما نجمش يطلع النفس، عينيه غارقات في راسو وراسو يضرب بيه في الجليج من شدة الوجع، أمّا خويا تامر فكان في التواليت يتأوه وصوت طراشو يزلزل الدار زلزمة!
ريحة المصلي اللي كانت تفوح بالبنة، تحولت في لحظة لريحة زفر وشعاط يغمّ الروح ويدوّخ الراس! جريت لبابا نزعك فيه: “يا بابا! يا بابا اشنوة صارلكم؟!”، قحرلي بعينين غايبات، وبسيف طلع الكلمة وصوته يخرج كالشخير: “اللحم يا أحمد.. اللحم يحرق فينا من داخل.. نار تشعل في جوفي يا ولدي!”.
في تلك اللحظة، وقف قلبي.. طارت الدوخة من راسي وفهمت الكارثة! اللحم ما كانش مسحور وما كانش فاسد.. اللحم كان ملقح ومداوي بدواء حشرات وفطريات فلاحي بؤري ومسموم بـ”دواء العلوش” الذيفاني الشديد، اللي زرعه الفلاح في بقرة ولا علوش مريض باش يبرأ، ويلزمو يستنى “فترة الأمان” متاع أسبوع كامل باش الدواء يخرج من الدم واللحم وما يقتلش اللي ياكلو! هذاكا علاش حماتي كتبت بتلك الحرقة والرجفة: “أمانة ما تمسوهوش إلا بعد جمعة كاملة!”.. كان يلزم أسبوع كامل باش المادة السامة تتيّب وتتحلل وتخرج من ألياف اللحم!
أما بابا، بكبرياؤه ورأيه الناشف، خذا اللحم وهو في أوج فاعلية السمّ، وطبخوه وكلوا منه بشراهة!
ما فاقت الحومة إلا على صوت إسعافات ورينات الفراسات.. تهزوا الثلاثة بين الحياة والموت للرعاية المركزة، وأنا واقف في العناية المركزة في المستشفى الجامعي، نشوف في الأنابيب موصولة ببدن بابا اللي ذبل في ساعات، ونسمع في كلام الطبيب الرئيسي وهو يهز في راسو بأسف: “السمية عالية ياسر ودخلت للدم.. كان صبرتوا عليه جمعة كاملة راهو الدواء تحلل وما صار شيء.. توا ربي يستر ويداويهم من الفشل الكبدي والكلوي الحاد!”.
غزرت للورقة الصغيرة اللي ما زالت في جيبي، نزلت دموعي حارة على عناد بابا اللي هدم الدار في ليلة، ودرت لرانيا اللي كانت تبكي بجنبي وشادة بنتنا، وقلت في قلبي: “يا بابا.. خسرت صحتك وصحة عايلتك، على خاطر قطعة لحم.. وما سمعتش كلام العلم والحكمة اللي كانت مخبية في ورقة!”.




