
وقفت داليدا قدام الشباك، تنظر للبلاكة الفضية لمعة تحت ضي القصر البهيم. الاسم المكتوب عليها كان يتردد في مخها كيف اللعنة وكيف التعويذة في نفس الوقت. سبعة أشهر وهي تتبع في الخيال هذاك من بعيد، سبعة أشهر وهي تبني في أحلام وردية فوق السحاب، تغزل في أوهام غرامية باش تهرب بيها من الجحيم اللي عايشاتو مع خولها مرتضى. كانت تحسب أن أحمد هو المنقذ، البطل الساحر اللي باش يفكها من العزلة وياخذها بين يديه للحرية. أما الواقع كان صدمة كاسحة كسرّت كل شيء داخلها.
الرجل اللي حبتو من وراء العدسة طلع صنم متاع ثلج، جدار بارد وما يترحموش اللي يقرب منو. نضراتو الخالية من أي مشاعر، كلامو المقصوص بالسكين، وتجاهلو ليها في وسط بيتها، رجعوها لنفس القوقعة اللي كانت محبوسة فيها. حسّت بالدموع تسيل ببطء على خدودها، تمشي كيف السّم في عروقها. قعدت تسأل في روحها: “هل هو بطل أحلامي بجد، ولا مجرد كابوس جديد ربي بليت بيه روحي؟”
في اللحظة هذيك، سمعت باب الحمام يتحل. دارت بالسياسة وهي ترعش، شافتو طالع وهو يمسح في شعرو بالمنشفة، ونظراتو الباردة باقي مثبتة في القاع، ما كلفش روحو حتى باش يخزر لعينين مرتو المعبين بالدموع. كاينها خيال، كاينها هوا. أما في اللحظة اللي قرب فيها من خزانة الحوايج، طاحت عينو بالصدفة على الطاولة الصغيرة بجنب السرير… على التلسكوب القديم اللي قعدلها من ريحة أمها.
لثانية واحدة، خطفت في عينين أحمد حشمة غريبة، ونظرة غامضة فيها خليط متاع صدمة وغضب مكتوم. تسمر في بلاصتو، ودار شيرتها بسرعة غير معتادة، ونطق بصوت حاد يقطّع بالرعب:
— منين جاوك الأغراض هذي؟ والتلسكوب هذا… أشنوة يعمل في بيتي؟
داليدا تبكمت، أنفاسها احتبست في صدرها ودقات قلبها رجعت تضرب كيف الهبول. نبرة صوتو ما كانتش مجرد برود، كانت تهديد حقيقي وشرار يخرج من عينيه. خطى أحمد خطوات سريعة ونزل فوقها كيف الظل الأسود، شادد كتفها بقوة وعينيه يثبتوا في عينين داليدا المرعوبة:
— جاوبني! أنت شكونك بالضبط؟ وشكون اللي بعثك للقصر هذا؟
هنا فهمت داليدا أن اللعبة أكبر منها ببرشة، وأن الرجل اللي عرس بيها ما كانش مجرد جار وسيم حبتو من بعيد، بل كان يحمل سر خطير، وسر التلسكوب هذاك باش يحل باب لجهنم ما كانتش تستنى فيه بالكل…




