أخبار

القطوسة بسبعة أرواح

“مدام ليلى… مانيش عارف كيفاش نقولك، أما المادة اللي لقيناها في الكاس هي نوع نادِر وخبيث ياسر من السموم النباتية المستخرجة من أعشاب جبلية. السم هذا ما يقتلكش فرد وقت، أما يضعف عضلة القلب ببطء شديد على مدى سنين، ويسبب خمول ونعاس مستمر، والأخطر من هذا… يخلي الضحية تظهر وكأنها ماتت بوفاة طبيعية وسكتة قلبية فجائية! مدام، إنتِ كنتِ على حافة الموت، وكان يمكن ما تفوتش السنا!”

صوت الطبيب ولى صدى بعيد في وذنيا. الدوران حكم فيّ، والبيوت الكل بدات تدور بيا. عماد؟ الحنين، اللطيف، اللي قالي “ما نرتاح كان ما ترقدي إنتِ”؟ كان يقصد “الرقدة الأبدية”! الدموع جفت في عينيّ وتعوضت برغبة رهيبة في البقاء والانتقام. تذكرت كلام الناس: “طامع في فلوسك”. تذكرت الفيلات، والورث، والدار في القنطاوي. كان يسايس فيّ كي العصفور في قفص، يستنى في اللحظة اللي يقطف فيها كل شيء قانونياً بعد ما نموت “موتة طبيعية”.

رجعت للدار، وجسدي يرعش أما مخي كان يخدم بأعلى سرعة. تظاهرت بالمرض والتعب، وقلتلو: “عماد، حاسة ببدني فاشل، باش ندخل لبيتي نكتب وصيتي ونرتاح”. شفت اللمعة اللي في عينيه، لمعة ذئب جيعان تظاهر بالطيبة لمدة ست سنين. كتب وصية وهمية وخليتها واضحة على المكتب، وكتبت فيها: “كل أملاكي وعقاراتي تمشي للجمعيات الخيرية، ولا يرث زوجي عماد أي مليم في حالة وفاتي”.

في الليل، جايب كاس البابونج المسموم، يبتسم نفس الابتسامة اللي سحرتني نهار حصة اليوغا. حط الكاس وباسني. استغليت اللحظة اللي دار فيها باش يجيب كتاب، وبسرعة البرق بدلت كاسو بكاسي (كنت محضرة كاس بابونج عادي نظيف في درج الكومودينو). شربت الكاس النظيف قدامو، وتظاهرت بالدوران لين غَمضت عينيّ.

خرج من البيت مرتاح، ومشى للمكتب يلوج على الأوراق. كنت نتبع فيه من بعيد وثغرة الباب محلولة. شفتو يقرا في الوصية الوهمية… وجهو تقلب، أزرق، وبدا يسب ويلعن بصوت واطي وهو يرعش: “ست سنين من عمري ضاعوا مع العجوزة هذي؟! ست سنين وأنا نجرع فيها بالقطرة؟! لا… مستحيل تضيع الفلوس!”

في قمة غضبو وجنونو، رجع للكوجينة وهو يلهث، صب كاس ماء كبير باش يبرد غلو… الكاس اللي صب فيه هو نفس الكاس المسموم اللي رجعتو أنا للكوجينة من غير ما يشعر في غمرت صدمتو! شربو دفعة واحدة من كثرة العصب والمفاجأة.

خرجتلو من الظلام، شعلت ضوء الصالة، ووقفت قدامو بكامل ثقتي. غزرلي ومصعوق: “ليلى؟ إنتِ ما رقدتش؟”

قربت منو وقلتلو بصوت هادي وبارد كيف الثلج: “القطوسة عندها سبعة أرواح يا عماد… أما إنت، شربت الكاس المسموم اللي كنت تحضرهولي ليديك لست سنين. السم سريع المفعول كيف تبدا الجرعة قوية، مش هكا؟”

بدا يشرق، يلوج على النفس، وعينيه دارت بالخوف. طاح على ركايبو يترجى فيّ: “ليلى.. أمانك.. الإسعاف..”

هزيت تليفوني، طلبت الحرس الوطني والطبيب الشرعي، وقعدت نغزرلو وهو يتلوى… كانت هذي آخر ليلة يقدملي فيها كاس دافي، وأول ليلة نرقص فيها على نغمات حريتي اللي غدرها لست سنين.

زر الذهاب إلى الأعلى