أخبار

سِرٌّ تحت الرُّكام: عندما تَكَلَّمَ المَجْنُونُ بِلُغَةِ المَلَائِكَةِ!

تراجع صابر إلى الخلف بخطوات هادئة كأن مسًا من السكينة قد حلّ عليه، وانسحب من الأوضة في صمتٍ مريب، تاركًا خلفه وجوهًا شاحبة أجمعت على الفزعة والذهول. في تلك اللحظة بالذات، لم يكن الذهول ناتجًا فقط عن الجملة التي نطق بها صابر، بل عن السر الأعظم الذي انهمر كالمطر بعد خروجه مباشرةً.
فما إن غادر الدار حتى توقفت أنفاس أمي تمامًا، ولكن لم تكن النهاية كما يتوقع الجميع! فتحتُ درج مكتبتها الصغير البسيط الذي كانت تحتفظ فيه ببعض الأوراق القديمة وحصالة خشبية مغلقة، لأجد مفاجأة لم يخطر على بال أحد منا أن يراها. كانت هناك مفكرة صغيرة متهالكة بخط يدها، كتبت فيها قبل أشهر من رحيلها تفاصيل حكاية صابر الحقيقية!
لم يكن صابر مجنونًا ولا مجهول النسب كما أشاع أهل الحي طوال سنوات؛ بل كان مهندسًا معماريًا مرموقًا تعرض لحادث سير أليم أفقده عائلته وذاكرته، وحين تخلى عنه الجميع واستغلوا مرضه، كانت أمي الوحيدة التي عرفت سره من وثيقة قديمة وجدتها معه في أول يوم جاء فيه إلى عربتها. اختارت أمي ألا تفضح سره أو تتاجر بقصته، واستمرت في رعايته وحمايته من أطماع أقربائه الذين حاولوا حشره في المشافي النفسية للاستيلاء على ميراثه.
وفي الصفحة الأخيرة من المفكرة، كتبت أمي عبارة تهتز لها القلوب: “إن رحلتُ قبله، ستكون شهادته هي مفتاحي، وسينطق اللسان المربوط ليخبركم أين خبأت أمانته”. لم نكن نستوعب حجم الذهول حتى أسرع أخي خلف صابر ليلحق به في أزقة الحي، لكن المفاجأة الأكبر كانت اختفاء صابر تمامًا من الإسكندرية منذ تلك اللحظة! وكأنه خُلق فقط ليؤدي تلك الأمانة وينطق بتلك الشهادة في الدقيقة الأخيرة، ثم يختفي كأنه لم يكن يوماً على قيد الحياة.
رحلت أمي وتركت خلفها درساً لن يمحوه الزمن، حقيقة تجعل كل من يسمعها يقف عاجزاً أمام تفاصيلها: هل كان صابر بالفعل مجنوناً فاقداً للأهل، أم كان ملاكاً مسخراً وحارساً لأمانة لم يدرك قيمتها أحد سواها؟ تقع العين على أفعال البسطاء فتستخف بها، لكن السماء تجزي بها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ✨.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى