
مرت الساعات هادئة، واستيقظت في صباح اليوم التالي على صوت جرس الباب يرن بدقات متتالية وغير معتادة في مثل هذا الوقت المبكر. قمت من على الكنبة ببطء، وشعور غريب بالرهبة يراودني، فتحت الباب لأفاجأ بوجود “سامح” يقف أمامي، لكنه لم يكن الشخص نفسه الذي غادر البيت قبل أيام وملامحه محملة بالحزن والجفاء. كان وجهه شاحباً، وعيناه ممتلئتين بالدموع والتعب، وفي يده حقيبة سفر صغيرة.
وقف لحظات ينظر إليّ قبل أن ينطق بصوت خنقته العبرات: “نور.. أنا حاولت أبعد، حاولت أهرب من كل حاجة بتفكرني باللي راحت منا، بس اكتشفت إن الهرب مابيريحش، وإن الوجع جوانا مش في الحيطان.” أفسحت له المجال ليدخل، وفي تلك اللحظة التي مر فيها من أمام غرفة آدم، لم يهرب بعينيه كما كان يفعل دائماً، بل نظر نحو الباب المفتوح. كانت الغرفة مرتّبة وهادئة، وخالية من المظاهر التي كانت تضغط على أنفاسه وتذكره بالخسارة في كل ثانية.
ألتفت إليّ وتساءل بنبرة حنونة ومتفاجئة: “أنتِ عملتي إيه في الأوضة؟” جلست بجانبه وحكيت له كل ما حدث في اليوم السابق، وعن لقائي بـ “فاطمة” وطفلها الصغير “يوسف”، وكيف أن إعطاء ملابس آدم وأغراضه أضفى معنى جديداً على رحيله القصير، وجعلنا ندرك أن ذكراه يمكن أن تكون سبباً في مساعدة روح أخرى يحاصرها الاحتياج بدلاً من أن تكون مصدراً للألم والقطيعة بيننا.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم خنقته الدموع واستند برأسه على كتفي لأول مرة منذ الفاجعة، وبكى بكاءً طويلاً أخرج فيه كل الشحنات الكتمان والحرقة التي زاحمته. لم نكن قد نسينا ابننا، ولن ننساه أبداً، لكن تلك الخطوة البسيطة في إظهار العطاء والرحمة أزاحت جدار العزلة الذي بناه الخوف بيننا. أدركنا في ذلك الصباح أن الحياة تجبر الخواطر بطرق غير متوقعة، وأن مشاركة الخير تجعل القلوب أكثر قدرة على الصمود ومواجهة أصعب أوقات المحن.




