
تقدم الفارس القرشي بخطوات واثقة، يحمل في صدره غرور الفرسان ويظن أن المواجهة مع امرأة لن تعدو كونها جولة قصيرة ينتهي بها المطاف أسيراً لجمالها. ضرب أرض الميدان برمحه وصاح يناديها للبراز، غير أن الميّاسة لم تنتظر طويلاً؛ أطلقت لفرسها “الجوّال” العنان، فانطلق كالسهم المارق، والتقى السيفان في ضربة أطارت شرر الحديد وملأت أرجاء الصحراء بصليل مروع هزّ ثقة فرسان قريش الواقفين.
صمد الفارس القرشي في الجولة الأولى، لكن الميّاسة أظهرت من الخفة والبراعة في مراوغة الضربات واستغلال الثغرات ما أربك حسابه. لم تكن تقاتل برعونة، بل بذكاء ميداني وثبات راسخ. وبعد كَرٍّ وفرٍّ أرهق الفارس وأفقده توازنه، وجهت له الميّاسة ضربة خاطفة بمقبض سيفها أسقطت بها رمحه، ثم أتبعتها بطعنة مرتدة أصابت درعه بدقة، ليتدحرج عن ظهر جواده وسط ذهول الحاضرين وسكون الميدان.
توالى فرسان قريش واحداً تلو الآخر، وكلما دخل الميدان فارسٌ غاص بفرسه في الرمل عاد مدحوراً ومكسور الكبرياء أمام ثبات هذه الفارس الكندية. وفي نهاية المطاف، تقدم عمرو بن هشام، ووقف وسط الميدان بعد أن أدرك أن الأمر تجاوز حدود الخِطبة والزواج ليصبح اختباراً لكرامة الفرسان. ونادى بصوت جَهوَري يُعلن فيه احترام قريش لشجاعتها، معترفاً بأن امرأة تحمل هذه العزة والمهارة لا تُقهر بالسيف ولا تُؤخذ بالإكراه.
انسحب سادة قريش وهم يحملون تقديراً استثنائياً لبني كِندة وابنتهم، مقتنعين أن الشرف الحقيقي ليس في إخضاعها، بل في احترام إرادتها. وعادت الميّاسة إلى قبيلتها مرفوعة الرأس، بعد أن أثبتت للعرب قاطبة أن المكانة لا تُمنح بالوراثة، وأن الهيبة تُنتزع بالمهارة والكرامة. وظلت قصتها أسطورة تتداولها الركبان في الحجاز، عن المرأة التي جعلت أشجع الفرسان يزنون خطواتهم بحذر ويخضعون لشرطها الصارم.




