
وبعدين… لن نطيل الوقوف عند عتبات الخوف يا إبريل. الخطوة الأولى هي أصعب ما في الطريق، لكنها هي التي تفتح باب الأمان.
نظر إليها باسم بنظرات هادئة خالية من أي تهكم، وقد تلاشى المزاح اللعوب ليحل محله دفء صادق. تقدم نحوها بخطوات بطيئة ومتزنة، مرسلًا إليها رسالة صامتة بأن كل حركاته القادمة ستكون بمعرفتها وتحت سيطرتها. لم يلمسها، بل وقف على مسافة آمنة تفصل بينهما، وأمسك بطرف الطاولة التي ارتطمت بها ركبتها، قائلاً بنبرة خفيضة تخلو من السخرية: “سلامة ركبتك الأول… الموقف مش مستاهلة تتوجعي، ولا مستاهل كل الدفاعات اللي بنياها بيني وبينك.”
تنفست إبريل ببطء وهي تحاول استعادة ثباتها الانفعالي، رافعة رأسها لتلتقي عينُها بعينيه. رأت فيهما هذه المرة راحة واضحة، وكأنه يلقي سلاحه أمام تمردها العفوي. أشار بيديه بنعومة نحو الممر المؤدي لغرفة النوم، وقال برفق: “الحقيبة جنبك، والغرفة جوه فيها كل حاجة تحتاجيها. خد وقتك كاملاً، ارتاحي، وغيري هدومك… أنا هكون في الصالة بجهز حاجة خفيفة ناكلها أو بنشرب حاجة دافية، ومش هضايقك خالص.”
أحست إبريل بموجة من الهدوء تسري في جسدها بعد أن تبدد ذاك التوتر المفاجئ. بلعت ريقها وأومأت برأسها بامتنان مكتوم، دون أن تفقد كبرياءها الأنيق. انحنت لتمسك بحقيبتها، وفي طريقها نحو الغرفة، توقفت لبرهة عند عتبة الباب، التفتت ونظرت إليه وهو يتحرك بمهل نحو المطبخ بخطوات مريحة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لم يلاحظها، وشعرت لأول مرة أن الجدران الغريبة بدأت تأخذ طابعاً أليفاً. أغلق الباب خلفها بهدوء، لتدرك أن المشاكسات والخجل ليسا سوى بداية طبيعية لرحلة أعمق، وأن كلمة “أوضتنا” لم تكن مجرد فرض سيطرة، بل كانت دعوتها الأولى لتشارك الحياة بكل تفاصيلها دون خوف.




