
فرمل بابا الكرهبة على جنب بكل قوته، لدرجة أن العجالي عيطت فوق الكياس وصوتها هز طريق المرسى المظلم. دار لي وهو مخنوق، عينيه حمراء بالدموع والقهير، وقال لي بصوت يرعش: “شبيك يا بنتي؟ ش فما في هالورقة اللي زادت هبلتك؟”
يداي كانوا يرجفوا كيف السعفة، والورقة الكلبة هذيك كانت تبان في عيني كيف القنبلة الموقوتة. المكتوب فيها ما كانش اعتراف بالذنب ولا طلب سماح، كان تهديد يوقف المخ، كلام مكتوب بخط يد أمين الخبيث:
“بوك موش بوك، وأنا الوحيد اللي نعرف سر العائلة الكبيرة اللي باش يهد عروشاتكم الكل. كان تحب تستر على شرف عيلتك الحقيقي، وتعرف شكون أمك وأبوك بالرسمي، توا تدور الكرهبة وتجيني لدار الجد القديمة في الحلفاوين.. وحدك. صابر كان مجرد طعم باش نجبدك ليا، واللعبة توا كيف بدات.”
الحروف بدات تتداخل قدام عينيا، والبلاد دارت بيا. شكوني أنا؟ وبابا اللي كبرني وشقى عليا ومكسور قدامي توا، شكون يطلع؟ وأمي اللي تبكي وتصيح، شنوة مخبية وراها؟ طلعت الورقة هذه موش مجرد تهمة باطلة في شرفي، طلعت مفتاح لجهنم من الأسرار المدفونة ملي تولدت.
غزرت لبابا، ريت اللحطة هذيك في عينيه، لحظة خوف غريبة ما عمرها ما كانت تليق بالراجل الصنديد هذا. كأن الكلمات اللي مكتوبة في الورقة، من غير ما يقراها، وصلت لقلبه وعرفت طريقها. بلعت ريقي وبصوت مخنوق ومكتوم، كذبت عليه لأول مرة في حياتي: “بابا.. أمين كاتبلي إلي صابر مهدده، وإلي فما شكون غدر بيهم الزوز وباش يقتلوه في دار الحلفاوين.. لازم نمشي توا، لازم نكشف الحقيقة ونظف اسمي قدامك وقدام العباد!”
أمي صرخت من التالي: “لا يا بنتي! ما تمشيش ليل الغدرة هذا!”، أما بابا قعد ساكت، يغزرلي بنظرة فيها ألف سؤال، وكأنه عارف باللي يستنى فينا. سكت شوية، وبعدين نزل يديه على الفولون، وعفس على الغاز بكل قوته، ودار بالكرهبة في اتجاه الحلفاوين، والسرعة كانت جنونية، كيف دقات قلبي اللي كانت تسابق في الموت.
وصلنا لقلب البلاد العربي، الحلفاوين في نص الليل كانت تخوف، سكوت يقتل وظلام دامس. الدار القديمة متاع جدي كانت واقفة كيف الشبح ورا السقيفة الكبيرة. هبطت من الكرهبة ودموعي شايحة، بابا حب يخلط عليا أما الباب الدخلاني تسكر بالوقت ورايا بصوت قوي هز البلاصة.
لقيت روحي في وسط الدار الواسعة، الضوء طافي، وفما ريحة بخور غريبة وقوية تخنق الأنفاس. فجأة، سمعت صوت خطوات تقرب ورايا، وصوت ضحكة أمين الباردة السامة رجعت تدوي في الحيط: “جيت في وقتك يا بنت عمي.. أو بالأحرى، يا بنت الغريب. توا باش تسمعي الحكاية من أولها، وباش تعرفي علاش ليلة عرسك كانت لازم تموت، باش تحيا الحقيقة اللي قتلوها ملي ثلاثين سنة!”
التفتت ليه والموت بين عينيا، والتشويق والـرعب مسيطرين على كل عرق فيا، مستنية الكلمة الجاية اللي باش تبدل حياتي للأبد..








