
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وقفت الأنفس، وكان الوقت كأنه يتوقف مع كل رنة هاتف في كفي المتعرجة بالخوف. أجبته بصوت يختنق بالدموع، تحاملت على نفسي ولم أستطع إخفاء الفاجعة طويلاً؛ انفجرت بالبكاء وأخبرته بكل شيء. كاد صوته أن يختفي عبر الأثير، بين الذهول والعجز، لكنه حاول أن يربط على قلبي برغم المسافات الممتدة بيننا، وطالبني ألا أفقد الأمل وأن نستمر في البحث حتى مطلع الفجر.
في تلك الأثناء، خرج أعمامه مجدداً ومعهم شباب من الحارات المجاورة، أسروا على تمشيط الأماكن الخالية والمباني قيد الإنشاء والقريبة من الطريق الرئيسي. وبعد ساعات طويلة مرت كأنها دهور من العذاب والتكهنات المرعبة، وتحديداً مع اقتراب أذان الفجر الأول، تعالت الأصوات فجأة عند أطراف الشارع، أصوات أقدام تجري ونشيج مختلط بتهليلات الشكر.
ركضت ناسية تعبي وجراحي، لأجد عمّه الكبير يحمل “يوسف” بين يديه! لم أصدق عيني، ارتميت على الأرض وأنا أضمه إلى صدري بدموع لم تتوقف، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح والنجاة.
الحقيقة كانت أبسط وأغرب مما تخيلنا جميعاً؛ لم تكن هناك عصابة، ولا خطف، ولا جريمة غامضة. يوسف عندما ذهب باتجاه المخبز، صادف قطة صغيرة جائعة ومصابة، وبدافع براءته وفضوله الطفولي، أخذ يتبعها من شارع إلى آخر دون أن يشعر بالوقت أو الاتجاهات. ابتعد كثيراً حتى وجد نفسه في حي مجاور يجهله تماماً، وحين خيم الظلام، تملك منه الخوف والذعر، فجلس تحت مدخل إحدى البنايات السكنية يبكي في الصمت حتى غلبه النوم من شدة التعب والإنهاك!
أحد سكان تلك البناية، وهو رجل مسن كان يتهيأ لصلاة الفجر، وجده نائماً في البرد، وعندما استجوبه وعرف أنه تائه، احتفاو به وأطعمه، وفي الوقت نفسه كان يسمع النداءات القادمة من مكبرات صوت المسجد الرئيسي، فسارع بمهاتفة أرقام التواصل وأعاده إلينا سالماً.
كانت هذه الليلة القاسية درساً لن أنساه ما حييت. تعلمت أن البراءة في أطفالنا تحتاج دائماً إلى عين ساهرة ولا تحتمل الغفلة ولو لدقائق معدودة، وأن ستر الله ولطفه هما الحصن المنيع الذي يحفظنا في أوقات الشدة والضياع.








