
الرحلة في الطيارة تعدات في صمت رهيب ومقلق… وسيم كان عاطي بالظهر للشباك، يغزر للفراغ والندم والحسرة ياكلوا في قلبه، وياسمين بجنبه حاطة راسها على البلور والدموع تهبط من عينيها في سكات ومن غير حتى صوت. أول ما وصلوا لباريس، واجهوا الصدمة الحقيقية متاع الغربة. لقاوا رواحهم في بيت صغيرة ضيقة وباردة كالثلج في وحدة من ضواحي باريس البعيدة، بلاصة ما فيها حتى ريحة من الفخامة اللي يحلموا بيها الناس. وسيم لقى روحه غارق للعنق في الخدمة في السبيطار والقراية ليل مع نهار، وياسمين لقت روحها وحيدة في بلاد ما تعرف فيها حد، وما تفهمش لغتها، ومحصورة بين أربعة حيوط تستنى في المجهول. 💔❄️
في اللول، المعاملة بيناتهم كانت جافة ويابسة برشا. وسيم كان يشوف فيها كأنها “العقاب” والشر اللي سلطه عليه جده الحاج الطاهر باش يربطه، وهي كانت تشوف فيه الراجل الأناني اللي هجرها وظلمها وحرمها من حنان الزوج بلا ذنب اقترفته. لكن مع الوقت، ودخول برد الشتاء القارس السواكني متاع باريس، بدت النفوس تتبدل ببطء ومن غير ما يشعروا. 🌌
في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، رجع وسيم للدار فدّان وتعبان وقريب يلوح المنديل من كثرة الزمط والضغط. أول ما حل الباب، لقى البيت دافية وريحة الشربة التونسية البنينة تفحفح وتجري الريق، وحوايجو الكل مغسولة، منظمة ومحطوطة فوق السرير. غزر لياسمين لقاها راقدة من التعب فوق الكرسي وهي تستنى فيه باش يتعشوا مع بعضهم. في اللحظة هذيكة بالذات، فاق وسيم من غفلته وصحى ضميره. عرف اللي ياسمين ماهيش ذنب ولا عقاب، بل هي ضحية كيفه بالضبط، كبلوها بعادات وتقاليد بالية. 🥺🥣
قعدوا فرد طاولة صغيرة يشربوا في كاس تاي دافئ، ووسيم خذى خطوة للقدام وقالها بصوت هادئ وبصراحة:
“ياسمين، سامحني على معاملتي.. أنا ما عندي حتى ذنب في اللي صار، وإنتِ كيف كيف. توا ربي رمانا في الثنية هذه مع بعضنا، خلينا نكونوا أصحاب ونعاونوا بعضنا كإخوة وعائلة.” 🤝
من نهارها، تبدل كل شيء. وسيم بدا يعلم فيها كيفاش تتنقل في المترو وتكتشف المدينة، وقيدها في مدرسة لتعليم اللغة الفرنسية. ياسمين ما كانتش ساهلة، كانت ذكية برشا وعزيمتها قوية؛ بدت تخرج، تقرأ، وتصنع في شخصية جديدة وجريئة بعيدة كل البعد على البنية الخوافة والمطيعة اللي خرجت من سبيطلة. تحولت العلاقة بيناتهم لصداقة متينة وعميقة. بقاو عام كامل يشاركوا في المصاريف، يضحكوا على غصرات الغربة، ويسندوا بعضهم في كل محنة وتعب. 📚🇫🇷
الاحترام المتبادل، والعيشة المشتركة، ومرور الوقت صنعوا المعجزة الحقيقية اللي ما قدرتش تصنعها ليلة الدخلة بالسيف والقوة. الحب تولد بيناتهم على مهل، بطريقة واقعية ونظيفة. وسيم لقى في ياسمين شريكة حياته بالرسمي، السند اللي وقفت معاه وصبرت عليه في أصعب أيام دراسته، وياسمين لقت فيه الراجل الحنين اللي يحترم عقلها وكيانها وموش فقط مستحقها باش تخدمه وتغسله حوايجو. 👩⚕️❤️👨⚕️
بعد أربعة سنين كاملين، رجعوا لتونس. موش خوفاً من كلام الحاج الطاهر أو تنفيذاً لأوامره، لكن على خاطر وسيم كمل قرايته وولى طبيب ناجح ومتمكن. هبطوا الزوز من الطيارة في مطار تونس قرطاج الدولي، يديهم مشدودة في بعضهم بقوة وثقة. غزروا لبعضهم وتبسموا تبسيمة فيها ألف حكاية… السلسلة اللي ربطهم بيها جدهم نهار السفر، تكسرت وتحولت لميثاق حب حقيقي وصادق، هما اللي اختاروه بملء إرادتهم وعاشوه بقلوبهم. ✈️🇹🇳✨








