أخبار

خلف الباب الموصد

فتحت الشاشة ويدي ترعش، وبان المشهد اللي غيّر حياتي في ثانية وسرق النوم من عيني. ما كانوش يقروا، وما كانتش مجرد لعبة مراهقين طايشة.. يوسف ومروان كانوا حاطين طاولة كبيرة في وسط البيت، ومستفين فوقها قوارير بلور قديمة، ومجموعة من الأواني والتحف النحاسية والفضية المصقرطة، ومعاهم مساحيق وسوائل غريبة، وفوقهم كتاب قديم ومقطع أوراقو صفر فيه وصفات لترميم الآثار والتحف.
الولاد طلعوا غاطسين للعنق في مشروع سري لتنظيف وتلميع النحاسيات والتحف القديمة باش يبيعوها! شفت مروان يصب ببرشا حذر في قطرات من مادة حامضية قوية مخصصة لتنظيف المعادن، ويد يوسف كانت شادة قطعة نحاس تفاعلت معها المادة وخرجت منها رغوة صفراء كاوية، هي بيدها اللي طارت منها شظايا بسبب قلة خبرتهم وحرقتلو صوابعو وعملتلو هاك الفقاقيع المقززة لأنو ما لبسش قفازات. الصدمة الكبيرة بدات تتضح كي ركزت في الصوت وسمعت مروان يوشوش لولدي وعيونو تلمع بالفرحة: “الخلطة هذي هي اللي رجعت النحاس كأنه جديد.. السلعة الغالية هذي لازم تخرج السبت هذا للبازار في المدينة العتيقة، والكمية هذي تكفي وزايد باش نكملوا بقية القطع، وقتها نضمنوا المفاجأة الكبرى لأمك ونعاونوها في مصاريف الدار وقهر الدنيا!”.
يوسف، ولدي اللي عشت نحميه من نسمة الهواء ونضحي بعمري على خاطرو، طلع يخدم في السر مع ولد عمو، متحملين الحريق والمواد القوية هذي بكل رجولية باش يفرحوني ويهزوا معايا الحمل اللي هلكني. تمنيت لو كان الأرض تنشق وتبلعني كيفاش شكّيت فيهم، والدموع مغرقة عيني وأنا نغزر لولدي اللي طلع أرجل ملي كنت نتصور.
في اللحظة هذيك، وأنا نغزر للشاشة والعبْرة خانقتني، سمعت حس حركة غريبة وخفيفة ورايا في الصالة.. حس خطوات تقترب من الكوجينة. تلفتت ببطء وبكل رعب، لقيت مفتاح باب الدار البراني يدور بشوية بشوية، والباب يتحل ببطء يقبض الروح..
ظهر خيال راجل طويل لابس كبوت ومغطي وجهو من المطر، وغزرلي عيون دافية مليانة وحشة.. الراجل نحى الكبوت، وتجمدت في بلاصتي وصحْت بأعلى صوتي من الفرحة.. راجلي! راجلي رجع من إيطاليا بعد سنين الغربة! والولاد كانوا يخططوا للمفاجأة الكبرى باش يستقبلوه بالدار الجديدة والسلعة المزينة، من غير ما نعرّف اللي هما على اتصال بيه! تلمت العايلة، والدموع اللي هبطت كانت دموع الفرحة والراحة بعد سنين من التعب والخوف.

زر الذهاب إلى الأعلى