أخبار

رداء أزرق بنكهة الخيانة: حين يصبح الجسد قطعة غيار في سوق الأكاذيب

تسمرت في مكاني وعقلي يرفض استيعاب المشهد. تلك المرأة الشابة التي فتحت الباب كانت تناديه “زوجي الحبيب”، والطفل الصغير “ياسين” يركض نحو أحضانه منادياً إياه “بابا”. في تلك اللحظة سقطت كل الأقنعة وتلاشت غشاوة السنين؛ لم يكن سامي يبحث عن إنقاذ حياته من أجلي أو من أجل ابننا أحمد، بل كان يخطط لسرقة كليتي، جسدي، وصحتي، ليمنحها في صفقة سرية مدفوعة الثمن كـ “تبرع تبادلي” أو بيع مقنع، يؤمن به مستقبل عائلته السرية الثانية التي بناها من ورائي في صفاقس، بمباركة وتخطيط من والدته الحاجة زبيدة.
تراجعت إلى الخلف خطوات، والدموع تحرق وجنتي، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت شرارة الغضب الأخير. تذكرت قسوة الشارع، ورائحة الزيت، ويدي الخشنة التي كافحت لعقود، وأدركت أن ريم بائعة الفطائر ليست صيداً سهلاً كما ظنوا. عدت إلى تونس العاصمة وأنا أحمل في هاتفي الدليل القاطع؛ صور المستندات، وعنوان الشقة، والاسم الحقيقي للطفل الذي سجلوا كليتي باسمه.
في صباح اليوم التالي، توجهت مباشرة إلى إدارة المستشفى الجامعي حاملي معي كل الوثائق والتسجيلات التي جمعتها طوال سنوات جفائه، وقدمت بلاغاً رسمياً للجنة الأخلاقيات الطبية والنيابة العمومية حول شبهة اتجار بالأعضاء وتزوير في ملفات التبرع الطوعي. تم إيقاف العملية فوراً وفتح تحقيق موسع هز أركان العائلة.
حين علم سامي بالمر الأمر، جن جنونه وجاء يزحف باكياً، مستعطفاً تارة ومهدداً تارة أخرى، ومعه والدته التي تحولت لهجتها المتعجرفة إلى توسلات ذليلة لإنقاذ ابنها من الموت والسجن. نظرت إليهما ببرود تام، وقلت لسامي كلمته ذاتها التي طالما غرسها في صدري: “لا تكبر الموضوع… إنها مجرد كلية، وليست قلبك”.
رفعت دعوى طلاق للضرر، واستعدت حريتي وكرامتي. واليوم، أقف وراء عربتي الصغيرة في السيجومي، مرفوعة الرأس، يحيط بي ابني أحمد الذي بات فخوراً بأمه القوية. علمتني هذه التجربة القاسية أن الجسد لا يوهب إلا لمن يصون الروح، وأن التضحية بدون كرامة ليست سوى انتحار بطيء. لقد خسرت زوجاً مخادعاً، لكني كسبت نفسي، وهي أثمن ما أملك.

زر الذهاب إلى الأعلى