
أنا ولدت مع الماضي ساعة ثنين متاع النهار. خرجوا وخلاوني في بيتي بين فرحة ولدي الجديد وغصة غامضة مشات وجات في صدري، نمور في عيني، وتفكيري هازني ورايب بيا، أما تعب الوجيعة والبنج غلبني ونمت نوم ثقيل وموش مريح، كوابيس وخيالات تلاحق فيا.
فقت العشية، لقيت أمي بجنبي هازة الصغير وتغني لخلاص وحلي وتبكي بالدموع من الفرحة، الضحكة مرسومة على وجهها الطيب، أما أنا في داخلي فما حاجة مشات وموش عادية، إحساس الخوف والخنقة اللي يعصر القلب من غير سبب ظاهر. سألتها: “أمي، طارق طلبك؟ نهى كلمتك؟”، قتلي: “لا يا بنتي، تلاقاو في الخدمة وإلا لاهين، أرتاح أنت توا وعينك في ولدك”.
تعدات الليلة بالسيف، وفي غسق الفجر، وقت اللي الدنيا ساكتة والسبيطار هادي، تليفوني شرا بالمساجات، ورا بعضها، حلت عيني بالسيف والضو يعمي فيا، وقريت. النوامر غريبة، وتصاور هابطة وراء بعضها بكواليتي واضحة تقتل. التصاور كانت لطارق ونهى… في كرهبتنا، في قعدات، في القهاوي والبلايص اللي كنا نمشيولها ونضحكوا، وتصويرة صدمتني ووقفت قلبي: كانت من البارح في الليل، هما الزوز في دارنا… في بيتي وعلى فراشي، ونهى لابسة الفستان اللي شريتو لسبوع ولدي!
والجرح الأكبر كان المسج الأخير اللي مكتوب ببرود يقتل:
“سامحنا يا أمل، الترقيّة والنقلة لتونس ما كانتش للخدمة وبرا، طارق طلب النقلة بـإيدو باش نكونوا قراب لبعضنا. والدار اللي سكنتي فيها بجنبنا، كانت باختيار نهى… نهى اللي عرفت طارق وحبتو من قبل ما تعرفيه أنت في الجامعة في سوسة، والوليد اللي جبتيه توا، باش يتربى بيناتنا… خاطر طارق طلقك غيابي من الجمعة اللي فاتت، والورقة توصلك الصباح”.
الدنيا دارت بيا، النفس انقطع، الدم جمد في عروقي، وحسيت بوجيعة الفتح (القيصري) تقسمت على اثنين. غزرت لأمي اللي نايمة على الكرسي وتعبانة من السفر، وغزرت لصغيري اللي يبكي بصوت عالي… وكأنو حاسس بالشر والغدر المحيط بينا. تمنيت لو كان الموت خذاني في بيت العمليات ولا عشت اللحظة هذي. الخيانة ما جتش من بعيد، جيت من الأخت اللي وثقت فيها ودخلتها لبيتي وعطيتها مفتاحي، ومن الراجل اللي أمنتو على اسمي وعرضي.
في لحظة، تبخر كل شيء، الحب والأمان والعشرة، ولقيت روحي واقفة في وسط عاصفة من الغدر، نغزر لولدي الصغير ونخمم: كيفاش باش نواجه الدنيا هذي؟ ومنين باش نجيب القوة باش نرجع حقي وحق ولدي من اللي خانوا الملح والعيش ودمروا حياتي في ليلة ولادتي؟ الحكاية ما وفاتش هنا… الحكاية عاد وين بدات، وباش تكون حرب نارها تحرق كل من ظلمني!








