
بعد وصول الرسالة الغامضة إلى والد ريم، عاش الجميع أيامًا من الرعب والانتظار.
الأمن بدأ التحقيق، والأهالي شكلوا فرق بحث جابت الحقول والغابات والطرقات المهجورة.
كل خيط كان يقود إلى طريق مسدود.
كل شاهد كان يضيف لغزًا جديدًا.
لكن بعد أسبوعين من الاختفاء، حدث أمر لم يكن في الحسبان.
تلقت الشرطة اتصالًا من مدينة بعيدة تبعد مئات الكيلومترات عن القرية.
امرأة شابة دخلت أحد المراكز الصحية وهي في حالة انهيار نفسي شديد.
وعندما سألها الأعوان عن هويتها…
قالت بصوت مرتجف:
“اسمي ريم…”
ساد صمت ثقيل.
لم يصدق أحد الخبر.
العروس المختفية ما زالت على قيد الحياة.
لكن السؤال الذي حيّر الجميع كان:
إذا لم تُختطف… فلماذا هربت؟
وعندما بدأت ريم الكلام، انكشفت الحقيقة التي لم يكن أحد يتوقعها.
قبل سنوات من خطوبتها كانت قد عاشت قصة حب مع شاب من منطقتها.
كانا يخططان للزواج، لكن الظروف فرّقتهما.
اختفى الشاب فجأة بعد أن سافر للعمل خارج البلاد، وانقطعت أخباره تمامًا.
ومع مرور السنوات، أقنعها الجميع بأن تنسى الماضي وتبدأ حياة جديدة.
وهذا ما فعلته.
وافقت على الزواج.
وحاولت إقناع نفسها أن الماضي انتهى.
لكن قبل أيام من الزفاف وصلتها رسالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كانت من ذلك الشاب.
عاد بعد سنوات طويلة.
وعندما علم بزواجها طلب لقاءها للمرة الأخيرة.
في البداية رفضت.
لكن الفضول والحنين دفعاها إلى مقابلته سرًا.
وهناك اكتشفت الحقيقة الصادمة.
الشاب لم يختف بإرادته.
كان قد تعرض لعملية تحيل أفقدته كل ما يملك واضطر للعيش سنوات في ظروف قاسية خارج تونس.
وعندما عاد وجد المرأة التي أحبها تستعد للزواج من رجل آخر.
دخلت ريم في صراع نفسي رهيب.
بين مستقبل ينتظرها…
وماضٍ ظنت أنها دفنته إلى الأبد.
وفي صباح الزفاف اتخذت قرارًا متهورًا.
غادرت البيت دون أن تخبر أحدًا.
كانت تنوي الابتعاد يومًا أو يومين فقط حتى تفكر بهدوء.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
تحولت إلى شخص مطارد من الشائعات.
وصارت كل خطوة تخطوها تزيد الوضع تعقيدًا.
وعندما شاهدت صور والديها المنهارين في وسائل الإعلام، أدركت حجم الكارثة التي تسببت فيها.
انهارت تمامًا.
وسلمت نفسها للسلطات.
عادت ريم إلى القرية بعد أشهر.
لم تكن هناك موسيقى.
ولا زغاريد.
ولا فستان أبيض.
فقط صمت طويل وعيون تحمل ألف سؤال.
احتضنت أمها وهي تبكي.
أما والدها فبقي واقفًا للحظات طويلة قبل أن يضمها إلى صدره.
كان غاضبًا…
ومجروحًا…
لكنه كان سعيدًا لأنها عادت حية.
أما الخطيب، فقد أنهى العلاقة بهدوء.
كان يعلم أن الزواج لا يمكن أن يُبنى فوق قلب ما زال عالقًا بالماضي.
مرت السنوات.
هدأت الضجة.
وعادت الحياة إلى القرية.
لكن كلما مر الناس أمام المنزل الذي كان سيشهد ذلك العرس الكبير، تذكروا تلك الحكاية.
حكاية فتاة لم تخطفها عصابة…
ولم يختطفها مجرم…
بل اختطفها صراعها مع ذكريات لم تستطع دفنها.
وفي إحدى الأمسيات، وقفت ريم أمام نافذة منزلها تتأمل الغروب.
تذكرت الليلة التي خرجت فيها من البيت وهي تظن أنها تهرب من مشكلة صغيرة.
ثم ابتسمت بحزن وهمست لنفسها:
“أحيانًا… أخطر الطرق ليست تلك التي نسير فيها.
بل تلك التي نعود بها إلى الماضي.”
وهكذا انتهت قصة العروس التي اختفت يوم زفافها…
لكن بقي سؤال واحد يتردد بين الناس إلى اليوم:
ماذا كان سيحدث لو أنها أخبرت الحقيقة منذ البداية؟








