
وقف الزمان في تلك اللحظة؛ أصوات صالة الوصول في مطار قرطاج الدولي تلاشت تدريجيًا لتتحول إلى جدار من الصمت الخانق. المسافرون يمرون بسرعة، وحقائبهم تتداخل أسطواناتها على الأرض، وشاشات الرحلات تومض بالأزرق والأبيض… لكن كل حواسي كانت مشدودة نحو الشاشة الصغيرة بين يديّ.
الرسالة الثانية كانت حاسمة، وكأن من يكتبها يرى حركاتي ويرقب أنفاسي من مكان ما في هذه الصالة المزدحمة.
تنفس «سليم» بصبر ينفد، ومدّ يده ليجذب الحقيبة الداكنة نحو سير الفحص الآلي، قائلًا بصوت حاول أن يجعله هادئًا:
— «هيا يا أمل، لم يتبقَّ سوى خطوة واحدة ونصل إلى البيت. الناس خلفنا ينتظرون دورهم».
وفي الوقت نفسه، اقتربت «ندى» أكثر، ووضعت يدها على كتفي بنعمة مصطنع، وعيناها تطالعان وجهي المتردد بتركيز غريب:
— «أمل حبيبتي، أنتِ تعبة من الرحلة… اعبري فقط وسيصبح كل شيء بخير».
في تلك اللحظة بالذات، انكسرت الروابط السحرية التي كانت تجعلني أرى العالم بعيونهما. كانت نظرتهما مشحونة بلهفة غير طبيعية، لهفة ليست لراحتي، بل لتمرير هذه الحقيبة تحديدًا عبر السير الذكي للجمارك!
بدلًا من أن أمتثل لدفعتهما الناعمة نحو الأجهزة، قمت بحركة سريعة وغير متوقعة بالمرة.
سحبتُ مقبض الحقيبة بقوة نحو جسدي، واستدرتُ بعيدًا عن سير التفتيش بضع خطوات، ليصطدم جدار صمتي بالصدمة التي ارتسمت فجأة على وجهيهما. تعجّبت عيون «سليم» وتسمّرت «ندى» في مكانها وكأن صاعقة أصابتهما.
— «أمل! ماذا تفعلين؟» سأل «سليم» بصوت نزل فيه مستوى التودد فجأة ليعلوه التوتر.
لم أُجبه. بل مشيت بخطوات ثابتة عكس اتجاه التدفق، مقتفيةً اتجاه مكتب الإشراف الأمني والإداري المباشر لصالة الجمارك.
— «انتظري يا أمل! هل جُننتِ؟ إلى أين تذهبين؟» صرخت «ندى» بصوت خفيض وهي تحاول اللحاق بي، بينما انسحبت الألوان من وجهها تمامًا.
وصلتُ إلى مكتب الضابط المسؤول، الذي كان يقف خلف منصته يتابع حركة الركاب بكل هدوء. وضعتُ الحقيبة أمامه بثبات لم أكن أعلم أنني أملكه، ونظرتُ في عينيه بوضوح:
— «سيدي الضابط… أطلب من سيادتكم فتح هذه الحقيبة وتفتيشها يدويًا وبشكل دقيق جدًا الآن، وبحضور هؤلاء الأشخاص فقط».
تسارع نبض المكان. التفت الضابط بنظرة فاحصة بيني وبين «سليم» و«ندى» اللذين وصلا متأخرين بضعة أمتار، وملامحهما تتخبط بين الذهول والارتباك الشديد.
— «هل هناك أي مشكلة يا سيدتي؟» سأل الضابط وهو يضع يده على القفل البلاستيكي للحقيبة.
تعلقت عيوني بسليم، الزوج الذي ظننت لسنوات أنه سندي، ثم بنُدى، الصديقة التي تقاسمت معي أيام العمر. كانت علامات الهلع واضحة في نظراتهما الدفينة، وكأن الأقنعة النبيلة التي ارتدياها طوال رحلة العلاج بدأت تتساقط قطعة بعد قطعة أمام منصة التفتيش!
ما الذي أودعاه في هذه الحقيبة قبل مغادرتنا؟ وما الذي كان سيتغير في مستقبلي المهني بوزارة العدل لو عبرت بها بشكل طبيعي؟
أشار الضابط لأحد أفراد الأمن للبدء في فتح الأقفال… ومع صرير السحاب وهو يبتعد، شعرتُ أن السحر قد انقلب أخيرًا على الساحر!




