أخبار

الحقيقة التي أَبْكَت القلوب

وقعت كلماتها عليّ كالصاعقة..
“لو علمتِ حقيقة ما تحمله أحشائي يا ليلى.. لركعتِ تحت قدمي تتوسلين صفحتي ومغفرتي..”
تجمّدت في مكاني، وارتدّت أنفاسي إلى صدري بغصة قاتلة.
اقترب ياسين بخطوات ثقيلة، وعيناه ممتلئتان بالدموع، ثم التفت إليّ بنظرة عتاب لم أَرَ مثلها في حياتي، وجذب من جيب معطفه أوراقًا مطوية، وقال بصوت يرتجف:
— “كفي عن ظلمكِ يا ليلى.. اقرئي هذا أولاً قبل أن تذبحي أمكِ بلسانكِ!” 📄💧
سحبتُ الأوراق بيدين ترتجفان.. كانت تقارير طبية صادرة عن أكبر مستشفيات الأورام بالقاهرة، وتحاليل دقيقة يعود تاريخها إلى الشهر الأول من وصولها إلى بيتي!
قرأتُ الكلمات الطبية العنيفة، فدارت بي الأرض، وكأن أحداً هوى بقبضته على رأسي:
“ورم متقدم ومستسقى حاد في التجويف البطني (Advanced Abdominal Ascites)” 🏥💔
لم تكن أمي حاملاً بحمل محرم كما وسوس لي الشيّطان..
ولم تكن تخفي عني خطيئة!
كانت تخفي عني سَرَطانًا نهش أحشاءها، ويتجمع السائل في بطنها شهرًا بعد شهر، ليجعلها تتضخم بتلك الصورة المؤلمة التي كنت أظنها حَمْلاً! 😭
تذكرتُ على الفور الصورة الممزقة والإيصال والمستندات التي وجدتها تحت فراش مريم..
لم تكن صورة رجل غريب، بل كانت صورة والدي الراحل في شبابه، وكانت تمسك بيده قبل أن تمزقها الأيام..
ولم يكن الخيط الأحمر سوى بقايا ثوب قديم لوالدي تحتفظ به للذكرى برائحة الوفاء!
أما المستشفى، فقد كشطت اسمها منه لكي لا أتعرف عليه إذا وقعت عيناي على الأوراق بالصدفة!
سقطتُ على ركبتيّ عند قدميها، والدموع تتفجر من عينيّ بحرقة وألم لم أذقه من قبل 😭💔:
— “أمي.. أمي أرجوكِ اغفري لي! سامحيني يا أمي.. أرجوكِ سامحيني على كل حرف نطقتُ به!”
رفعت أمي رأسها الشاحب ببطء، وربطت على رأسي بفيض من الحنان الممزوج بالضعف، وقالت بنبرة حماها الصبر:
— “لم أرد أن أكون عبئاً عليكِ يا ابنتي.. جئتُ لأحمل عنكِ تعب طفلتكِ، لا لأزيد همومكِ بمرضي. كنتُ أعلم أن أيامي في هذه الدنيا باتت معدودة، وأردتُ أن أترك لكِ ذكرى طيبة.. أطعمكِ، وأرعى مريم، وأخفف عنكِ ثقل الحياة حتى ينتهي أجلي بسلام.” 🕊️❤️
تبين لي أن حركتها وتكتمها كل مساء لم يكن اتصالات سرية، بل كانت تتصل بطبيبها بالمنصورة تسأله عن مسكنات أقوى لا تسبب لها الغثيان أمامي، لكي تستطيع الاستيقاظ صباحاً ورعاية ابنتي مريم دون أن تشتكي أو تظهر ألمها! 💊🌸
في تلك الليلة، أخذناها إلى المستشفى فوراً..
قضيتُ معها أياماً متواصلة بجوار سريرها، أمسك بيدها، وأقبل قدميها اللتين طالما مشتا في خدمتي، وأعتذر لها في كل لحظة عن شكوك النفس الأمارة بالسوء.
كانت تبتسم لي وتخبرني أن الأم لا تغضب من أطفالها أبدًا، وأن حبها لي فوق كل الظنون.
بعد أسابيع قليلة، فاضت روح أمي الطاهرة إلى بارئها بسلام، وتركت في بيتي أثرًا لا يمحوه الزمن..
تركت لي درسًا حاسيًا لن أنساه ما حييت: أن السواد الذي نراه أحيانًا في الآخرين، قد يكون ألمًا أعمق من أن تستوعبه عقولنا القاصرة. 🤍✨
رحم الله أمي، وغفر لي سوء ظني.. ورزق كل أم أجر الصبر والحنان. 🙏🕯️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى