
خرجتُ من الغرفة وفي إيدي حقيبة ذهبي القديمة والجديدة، ومعاها دفتر الصكوك وعقد ملكية الأرض اللي ورثتها على أمي الله يرحمها وما في بالهوش بيها. وراء الحقيبة هذي، كان ثمة ملف كامل فيه قضية طلاق إنشاء وقضية نفقة كنت محضرتهم عند المحامي من الجمعة اللي فاتت، بعد ما عبيت كاسي من بخله وقلة معروفه، وجات اللحظة المناسبة باش نحط حد للمهزلة هذي قدام بابا العزيز.
أمين أول ما شاف الذهب وعقد الأرض والدوسيه الصادم، وجهه اصفرّ وخرجت عينيه، عرف اللي أنا مانيش المحتاجة ليه ولا لفلوسه، وعرف اللي كرامة بابا أغلى عندي من العيشة معاه. التفتّ لبابا بكل فخر وقلتله: “قوم يا بابا الغالي، نفطرو برة في أحسن مطعم في العاصمة، بفلوس بنتك وخيرها اللي مخبياته للوقت هدا.. والدار هذي مانيش قاعدة فيها دقيقة أخرى”. بابا غزرلي وعينيه مغرغرة بالدموع، حس بالراحة اللي بنته قوية وما رخصتش بوها قدام راجل بخيل.
أمين حاول يتكلم، حاول يستعطفني ويطلب السماح وهو يشوف في ذهبي وفلوسي اللي كان يحلم بيهم، والملف اللي باش يدمّره قانونياً، لكن الصدمة لجمتله لسانه وما لقى ما يقول. خرجت أنا وبابا وخليناه واجم في وسط الدار الضيقة اللي اختارها ببخله، دار خالية من الروح ومن الخير.
هذه الخاتمة الواقعية تعكس حقيقة أن البخل ليس مجرد شح في المال، بل هو جفاف في المشاعر وخراب للبيوت. المرأة التونسية الحرة لا ترضى بإهانة أهلها، والكرامة دائماً تأتي قبل كل شيء. أمين خسر زوجته واستقرار حياته بسبب بضع مليمات ودجاجة استكثرها على ضيفه، بينما بدأت الزوجة حياة جديدة مبنية على عرق جبينها ورضا والدها، تملأها الكرامة والحرية بعيداً عن جحيم الشح العاطفي والمادي.








