
وقفت ليلى في منتصف الشارع والذهول يشلّ حركتها، بينما تراجع عادل بخطوات سريعة دون أن يلتفت وراءه، تاركاً خلفه همسات الناس التي تحولت إلى سوط يجلد ما تبقى من كرامتها. كانت النظرات تحاصرها من كل جانب؛ نظرات عتاب من البعض، وشماتة من البعض الآخر، لكن أصعب تلك النظرات كانت عيني طارق التي لم تحمل سوى البرود التام، وكأنها لم تكن يوماً نبض قلبه.
التفتت ليلى نحو ريم، التي كانت لا تزال واجمة تحت تأثير المفاجأة، ولسان حالها يصرخ بالظلم والندم. حاولت أن تخطو خطوة واحدة نحو طارق، أن تنطق بكلمة تبرر بها انكسارها، لكن الحاجة صفية تقدمت خطوة للأمام، وحالت بينها وبين ابنها كالسد المنيع، مشيرة إليها بإصبع حاسد أن تبتعد. سحبت ليلى بقايا انكسارها وركضت في زقاق الحي المظلم، والدموع تحرق وجنتيها، مدركة أنها خسرت كل شيء في ليلة واحدة: زوجها، وبيتها، والماضي الذي ظنت أنها قادرة على إحيائه.
لكن الإثارة الحقيقية لم تنتهِ عند عتبة الفضيحة، بل بدأت تتدحرج ككرة الثلج في أزقة الحي. في صباح اليوم التالي، استيقظت المنطقة على حدث غير متوقع؛ لقد أغلق عادل ملحمته الشهيرة واختفى تماماً، وقيل إنه غادر المدينة كلها بعد أن ترك ورقة طلاق ليلى الرسمية في منزل والدها. وفي المقابل، كان التوتر يفرض سطوته داخل منزل الجبالي؛ فرغم الإعلان المفاجئ للحاجة صفية عن خطوبة طارق وريم لإنقاذ الموقف، إلا أن طارق وجد نفسه أمام مواجهة مصيرية مع مشاعره ومع صديق عمره خالد، الذي جاء يعاتبه بنظرات ملؤها العتب والخوف على قلب شقيقته.
دخل طارق إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه وهو يشعر بثقل المسؤولية الجديدة. نظر من النافذة ليرى ريم تقف في شرفة منزلها المقابل، عيناها تلتقيان بعينيه عبر الشارع الضيق، محملتين بأسئلة حائرة: هل كانت خطبتهما مجرد حيلة لحفظ العِرض ودفع الفضيحة؟ أم أن الأقدار تخبئ لهما بداية حقيقية لقصة حب ولدت من رحم الأزمة؟ وبينما كان الصمت يخيم على أرجاء الحي، ظهرت سيارة سوداء غريبة عند أول الشارع، توقفت للحظات ونزل منها رجل غامض يرتدي معطفاً داكناً، وقف يتأمل لافتة “سوبر ماركت الجبالي” بنظرات حادة، ثم أخرج هاتفه المحمول وأجرى اتصالاً سريعاً قال فيه بلهجة وعيد: “لقد وصلت إلى مكانه.. والآن حان وقت الحساب القديم.”







