
بقيت متسمراً في مكاني، وعيناي جاحظتان من شدة الصدمة. الشخص الواقف أمامي، والذي تبتسم له يارا بنظرة ممتلئة بالحب والأمان، لم يكن غريباً.. بل كان عامر! عامر، صديق عمري، ورفيق دربي، والشخص الوحيد الذي كنت أأتمنه على أسراري، والذي طالما اشتكيت له من عنادي وجفائي مع يارا أثناء فترة زواجنا.
تقدم عامر نحوي بخطوات واثقة، ومُد يده مصافحاً ببرود شديد وهو يقول بنبرة هادئة: “أهلاً يا سامر.. حمد الله على السلامة”. لم أستطع مد يدي، شعرت وكأن أطرافي قد شُلت تماماً، والكلمات تجمعت في حلقي لتتحول إلى غصة مريرة. نظرت إليه بعتاب يمزق الصدر، وقلت بصوت مخنوق: “أنت يا عامر؟ صديق عمري يفعل بي هذا؟”.
ابتسم عامر نصف ابتسامة، ونظر إلى يارا ثم أعاد بصره إليّ قائلاً بكل هدوء: “أنا لم أبع الصداقة يا سامر. طوال عامين بعد طلاقكما، كانت يارا تكافح وحدها لتبني هذا المشروع وتربي ابنك شادي، بينما كنت أنت مشغولاً في غربتك تبحث عن ذاتك وتتجاهل السؤال عنهما. عندما لجأت إليّ بصفتي صديق العائلة المقرب لمساعدتها القانونية وتأسيس هذا المتجر، رأيت فيها امرأة عظيمة هدمت أنت حياتها ببرودك وقسوتك. أنا لم أسرقها منك، أنت من تخليت عنها وأضعتها من بين يديك، والآن حان الوقت لتجد رجلاً يقدر قيمتها ويحمي ابنك”.
التفتت يارا وأمسكت بذراع عامر بثقة، وقالت وهي تنظر إليّ بنظرة حاسمة خالية من أي تراجع: “من اليوم يا سامر، عامر هو المسؤول عني وعن شادي. لن نمنعك من رؤية ابنك، فهو يظل ابنك في النهاية، لكن حياتنا الخاصة خط أحمر. يمكنك التواصل مع عامر لتنسيق مواعيد زيارة الصغير”.
أدركت في تلك اللحظة القاسية أنني خسرت كل شيء؛ خسرت المرأة التي أحبتني يوماً وتحملت من أجلي الكثير، وخسرت الصديق الذي كان لي سنداً، والأفظع من ذلك، أنني أصبحت غريباً في حياة ابني. تراجعت إلى الخلف بخطوات متثاقلة، وخرجت من متجر الزهور وأنا أجر أذيال الخيبة والندم. نظرت إلى سماء المدينة الصافية، وشعرت برياح الحقيقة العاصفة تصفع وجهي؛ فالبيوت لا تُهدم بغياب الآخرين، بل ببرود قلوبنا وقسوتنا، وحين تضيع الفرص الحقيقية، لا ينفع الندم ولا يجدي البكاء على أطلال ماضٍ دمرناه بأيدينا.








