أخبار

بريق الزيف وظلال الوصية

شحب وجه رندة وتجمدت الابتسامة المصطنعة على شفتيها، وكأن الكلمات التي تلاها المحامي كانت صفعات متتالية توقظها من أحلام الثراء السريع. تحول الصمت في الغرفة إلى ثقل خانق لا يطاق، ولم يعد يُسمع في المكان سوى الأنفاس المتلاحقة وصوت جهاز التكييف الرتيب. تطلعت رندة نحو المحامي بعينين متسعتين من الصدمة، وحاولت أن تتحدث أو تعترض، لكن صوتها حبس في حنجرتها ولم تسعفها الكلمات.
تابع الأستاذ شريف القراءة بنبرة هادئة ورصينة، تملأ جنبات المكتب بصدى صوت الراحلة “فريدة” التي غادرت جسداً وبقيت حكمةً وتدبيراً:
“إلى ابني الحبيب سامر، الذي أرهقته ضغوط الحياة ومطالب زوجته التي لا تنتهي حتى نسى في زحامها كيف يحنو على أمه في مرضها… وإلى زوجي ورفيق عمري محمود، الذي تحمل معي تقلبات الأيام وعواصفها. إن أموال الدنيا وزينتها لا تساوي لحظة صفاء، ولا تشتري ذمةً بيعت للجشع. لقد كنتِ يا رندة تظنين أن المرض قد أعمى بصيرتي، وأن أسئلتك الماكرة عن العقارات والأسهم كانت تمر عليّ مرور الكرام، لكنني كنت أدون كل شيء، وأرى في بريق عينيك لهفة بائسة ليومي هذا.”
تنحنح المحامي، وقلب الصفحة ليدخل في تفاصيل التقسيم المالي التي جمدت الدماء في عروق رندة تماماً:
“بناءً على ما تقدم، فقد قمت ببيع العقار السكني الكبير وأرض المزرعة قبل وفاتي بستة أشهر، وتم تحويل كامل المبالغ الناتجة عن البيع، بالإضافة إلى الحسابات الاستثمارية السيالة، إلى مؤسسة تضامنية خيرية لرعاية مرضى الأورام، لتكون هذه الصدقة الجارية حصناً لي في آخرتي، ولم يتبقَ من تركتي سوى شقة صغيرة متواضعة في أطراف المدينة، كُتبت باسم ابني سامر بشرط قانوني صارم: لا يحق له بيعها أو رهنها أو التصرف فيها طوال حياته، وتؤول ملكيتها بالكامل لوالده الحاج محمود في حال حدوث أي إخلال بهذا الشرط.”
سقطت الحقيبة الفاخرة من يد رندة وارتطمت بالأرض، وتلاشت كل مظاهر الكبرياء والتعالي التي دخلت بها قاعة العزاء. التفتت نحو زوجها سامر وهي ترتجف غضباً وصدمة، متسائلة كيف يمكن أن يحدث هذا دون علمها، وكيف تبخرت الثروة التي خططت للاستحواذ عليها لسنوات في لحظة واحدة. لكن سامر لم ينظر إليها؛ بل دفن وجهه بين كفيه وانفجر باكياً، ليس خسارةً للمال، بل نادماً على تقصيره في حق أمه التي كانت تقاسي المرض بمفردها بينما كان هو منشغلاً بمطالب زوجته المادية.
في تلك اللحظة، نهض الحاج محمود من مقعده بكل وقار وثبات، ونظر إلى رندة نظرة مطولة جمعت بين الشفقة والازدراء، ثم التفت إلى المحامي وشكره بحفاوة. أخذ الحاج محمود معطفه، وربت على كتف ابنه سامر داعياً إياه للنهوض ومغادرة المكان، تاركاً رندة وحيدة في وسط المكتب، تواجه حقيقة أن الجشع لا يورث صاحبه سوى الخذلان، وأن بريق الكعب اللامع والملابس الثمينة لا يمكنه أبداً أن يستر فقر الأخلاق والنفوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى