البيت كانت باردة، ريحة الموت ما كانتش ريحة تعفن، كانت ريحة ذكريات منسية وناس حرقها الزمان. البرطمان كان فارغ تماماً، لا كراسي، لا تلفزة، لا زربية… تقولش دار مهجورة من سنين، كان راديو قديم ملوح في تركينة يخدم بالبيل، وخيوط ممدودة تقولش عناكب على الحيط. قلبي كان يدق بقوة لدرجة أني وليت نسمع فيه في وذني، تلفت لجهة السرير، لقيت إطار تصويرة كبير مفرت ومغبر، قربت ليه ببطء، يدي ترعش لدرجة أني ما نجمتش نشد روحي.
مسحت الغبرة، ودمي جمد في عروقي. التصويرة ما كانتش لأمي عائشة وهي صغيرة، ولا لبنتها “الشيك” اللي كانت تجي تبتز فيها. التصويرة كانت لزوز نساء واقفين قدام البحر في سوسة، وحدة منهم كانت أمي “مريم” – ربي يرحمها – اللي كانت ديما تقولولي عليها، والثانية كانت أمي عائشة، كانت شابة، وجهها يشع بالضحكة، وماسكة يد أمي مريم بقوة، كأنها تحلف إنهم ما يفترقوش أبداً. تحت التصويرة، لقيت الجوان الأبيض اللي شفتو نهارها، كان مسكر بالشمع الأحمر.
حليتو بيدي اللي ترعش، ولقيت ورقة مكتوب فيها بكتيبة يد تعبانة ومقصقصة: “إلى بنيتي الغالية ألفة… سامحني يا بنتي كتمت عليك السر عامين. أنا مش جارتك يا ألفة، أنا خالتك عائشة، أخت أمك مريم اللي تفرقت عليها بسبب عناد الدنيا، وخسرتها قبل ما نطلب منها السماح. نهار اللي ريتك في الدروج، شميت ريحة أختي فيك، حسيت الدنيا أعطاتني فرصة ثانية باش نكفر على ذنوبي.
بنتي ‘سندس’، اللي كنت تشوفها تجيني، ما كانتش تجيني باش تطمن عليا، كانت تجيني باش تاخذ الورقة اللي في يدك هذي، حجة الدار هذي والفلوس اللي ورثتها من بويا. كانت تهدد فيا باش تطردني وتخليني نموت في الشارع كان ما نكتبلهاش كل شي باسمها. أنا بعت كل شي من ورائها، وكتبت الدار هذي والمدخرات الكل باسمك أنتِ، باسم ‘ألفة راضي’، باش نضمن إنك تعيشي مطمنة كيف ما كنت نحلم لأختي مريم. الماكلة اللي كنت تجيبهالي، ما كانتش تعبي في كرشي، كانت تحيي في قلبي، وتخليني نصبر على الظلم اللي كنت عايشاتو. يا بنيتي، أنا ما كنتش خايفة من الموت، كنت خايفة نموت قبل ما نرجعلك حقك اللي ضاع من ريحة أمك. ربي يسامحني، ويردلك الجميل في حياتك يا ضنايا…”
قريت الورقة، والدموع ولات شلال على وجهي. الدار اللي كانت تبانلي كئيبة، ولات توة أثمن بلاصة عندي. فهمت علاش كانت ديما ترفضني ندخل، كانت تحمي فيا من سندس، ومن وحشية الدنيا، ومن “المرأة الشيك” اللي ما كانتش تعرف الرحمة. خرجت من البيت وأنا حاسة بوجيعة في قلبي، خديت الورقة، وخرجت لليوم اللي باش نوقف فيه قدام سندس، موش باش نخاف منها، أما باش نوريها اللي “الوحيدة” اللي كانت عايشة في 302، خلات وراها “جيش” من الحب اللي ما ينهزمش.








