أخبار

حسبة غامضة في بيت العمليات

الماء الي داير بالجنين كان لونه أخضر غامق ومخلط بالدم، علامة واضحة وقوية على أن البيبي تخنق في وسط الكرش وبدا يتبرز من شدة الضغط والوجيعة. في اللحظة هذيك، ماجد الطبيب نحى ثوب الراجل المصدوم، وتحول لماكينة متاع إنقاذ.. يدو الي كانت ترعش ركحت فجأة، وبسرعة البرق هبط وسط الرحم، كبش في كتاف الصغير وخرجه في لقطة سريعة ومدروسة.
البيت كاملة سكتت.. مفماش حتى صوت. البيبي خرج أزرق، مرخي، وما يتنفسش. الحبل السري كان داير برقبتو مرتين وخانقه.
“الفونطوز والأكسيجين فيسع!” عيط ماجد وهو يقص في الحبل السري بيدين ثابتة كإنها من حديد. الفرملية جرت بالصغير لطاولة الإنعاش، وماجد وراها، خلى سيرين محلولة وتبع غريزة الطبيب الي فيه. قعد يعملو في التدليك على صدره الصغير بصوابعه، وينفخله بالأكسيجين.. ثواني تعدات كإنها سنين.. ماجد كان يعرق وعرقو يهبط على المريول، يسبح في داخله ويطلب في ربي يسلكها. وفجأة.. انطلقت صيحة حادة، بكاء قوي زلزل بيت العمليات. البيبي تنفس، وبدات الخدود الزرقاء تولي وردية.
ماجد تنهد وصوت نفسه خرج عالي، مشى يجري رجع لطاولة العمليات باش يسكر الجرح لـسيرين، لقاها محلولة عينيها بالسيف، والدموع هابطة . غزرتله وسألته بصوت ميت: “عايش يا ماجد؟”
هز راسه وقالها وهو يخيط: “لاباس، ولدك سلكها، توة يسرح في صدره.”
سيرين غمضت عينيها براحة، والبنج كمل مفعوله وغيبت على الوعي. ماجد كمل الخياطة وخرج يجر في ساقيه جران لبيته في السبيطار. قعد على الكرسي، وحط راسه بين يديه.. الدموع اللي حبسها الدخلاني انفلقت. الصغير تولد في أول التاسع كامل ومكمّل، والحسبة واضحة كالشمس.. الصغير ولده! سيرين خرجت من دارهم وهي حبلى في أيامها الأولى، وما كانتش تعرف، ولا يمكن عرفت ومحبتش تقوله بعد ما جرحها وطردها.
بعد ساعتين، مشى لبيت الإنعاش وين حاطين الصغير. وقف ورا الزجاج يغزرله.. الملامح، الخشم، وحتى صوابع اليدين.. نسخة مصغرة منه. وفي اللحظة هذيك، جاه تليفون من نومرو غريب. هز وهو ساكت، سمع صوت جارتها الي جات معاها في الأمبيلونس تتكلم وتبكي: “أمانك يا دكتور، طمنّي على سيرين؟ راهي مسكينة عانت الويل.. من نهار اللي طلقها ولد عمها الظالم، وهي تخدم في البيوت وتغسل في الحوايج باش توكل روحها ومحبتش تمد يدها لحد.. وكانت ديما تقول: ولدي باش يعيش راجل وراسه عالي ومش باش يعرف بوه الي رمانا.”
التليفون طاح من يد ماجد، والكلمات تضرب في راسه كيف المطارق. الحقيقة عراته قدام روحه.. هو اللي طلع “العاقر” في إنسانيته، وهي اللي كانت تضحي في صمت. تلفت وغزر لـسيرين اللي نقلوها لبيت عادية، ومشى يقدم شيرتها بخطوات ثقيلة، وهو عارف أن أصعب عملية في حياته مش توليد الصغير.. بل كيفاش باش يداوي الجرح الي عمله في قلب بنت عمو، وكيفاش باش يطلب السماح من ولد تولد وهو هارب منه.

زر الذهاب إلى الأعلى