
ارتبكتُ تمامًا، وامتدت يدي لملامسة مقبض الباب لتقدير المسافة والهروب، لكنه أشار بيده مطمئنًا وقال: “اهدئي، أنا سليم، وهذه ليست عملية اختطاف. رأيتكِ تركبين سيارتي عبر المرآة، وكنتِ تبدين كمن لم ينم منذ دهر، فلم أشأ إيقاظكِ حتى نصل إلى وجهتي.. بالمناسبة، سائقي كان سيتحدث، لكني أشرت إليه بالصمت”.
نزلتُ من السيارة والاعتذارات تسبق خطواتي، والتفتُّ لأجد نفسي أمام برج إداري ضخم وسط العاصمة، حيث تبين أن الرجل هو “عمر”، صاحب مجموعة استثمارية رائدة في الشرق الأوسط، وكان في طريقه لاجتماع طارئ.
لم تنتهِ القصة هنا. في اليوم التالي، وأثناء نوبتي في مقهى الجامعة، دخل رجل يرتدي زيًا رسميًا وبيده بطاقة عمل. التفت إليّ وقال: “المدير التنفيذي عمر يطلب مقابلتكِ في مكتبه اليوم لإجراء مقابلة عمل”.
ذهبتُ والمخاوف تملأ رأسي، لكن المقابلة لم تكن مجرد تعويض أو شفقة. جلس عمر خلف مكتبه الضخم وقال بنبرة جادة وعملية:
“سمر، بحثتُ عن ملفكِ الأكاديمي في الجامعة وعرفتُ أنكِ الأولى على دفعتكِ في إدارة الأعمال رغم عملكِ في نوبتين. أنا لا أهتم بكيفية ركوبكِ لسيارتي، لكني أهتم بشخص يمتلك هذا الإصرار. شركتنا تبحث عن طاقات شابة لإدارة قسم التدقيق والتطوير الجديد، وأريد منحكِ فرصة لإثبات نفسكِ كمتدربة براتب يغطي رسومكِ ودراستكِ.. بشرط أن تتركي وظائف الليل”.
بدأتُ العمل، ولم يكن الطريق مفروشًا بالورود. واجهتُ ضغوطًا هائلة، ونظرات تشكيك من بعض الموظفين الذين اعتبروا وجودي “ضربة حظ”. لكن الإرهاق القديم في طاولات الدراسة تحول إلى طاقة إنتاجية رهيبة داخل أروقة الشركة. كنتُ أعمل لـ12 ساعة أحيانًا لأثبت أنني أستحق مكانتي بجهدي، وليس لسبب آخر.
بعد مرور سنتين..
لم أتزوج الملياردير كما يحدث في الروايات الحالمة، بل حدث ما هو أفضل وأبقى. في حفل السنوي للشركة، صعد عمر إلى المنصة وأعلن عن ترقيتي لأصبح أصغر مديرة قسم استشارات مالية في المجموعة.
التقت عيوننا للحظة، فابتسم وأشار بيده قائلاً أمام الجميع: “البعض يدخل قطار النجاح بالصدفة، لكن الاستمرار فيه يحتاج إلى شغف حقيقي. شكرًا لتلك الليلة التي اقتحمتِ فيها سيارتي.. واقتحمتِ بها عالم المال والأعمال بكل جدارة”.
عرفتُ حينها أن تلك النومة الثقيلة في المقعد الخلفي لم تكن مجرد غلطة غياب وعي، بل كانت البوابة التي قادتني من حافة الانهيار إلى قمة النجاح الذي طالما حلمت به.








