
تسمرت ريم في بلاصتها، والتليفون طاح من إيدها الصغيرة على القاعة، كأنه قنبلة فجرت كل ماضيها في لحظة. الكلمات متاع جدتها قعدت تدور في الصالة كأنها صدى جاي من السحاب: “هذاكا بوك الحقيقي…”. غطست القاعة الكل في صمت رهيب، والناس اللي كانوا خارجين وفرحانين وقفوا الكل وبداو يثبتوا في المشهد اللي قاعد يتكتب قدامهم. يوسف حس بركايبو خانوه، ولم التليفون بيدين ترعش كأنه شاد جمرة. حطو على وذنو وصوته خرج مخنوق، مهدود، فيه وجيعة عشر سنين غربة: “أمي منية؟ أنا يوسف… يرحم والديك قوليلي اللي أنا مش قاعد نحلم! مريم وينها؟ وعلاش عملتوا فيا هكا؟”
جاء صوت الجدة من الشيرة الأخرى يقطع القلب، بالشهيق والدموع: “مريم ماتت بحسرتها يا يوسف… الله يسامح اللي كان السبب، أخواتها كذبوا عليك وقالولك سافرت باش ياخذوا ورثها، وكذبوا عليها وقالولها يوسف خطب وباعك… وماتت وهي تظن فيك الغدرة، وخبات عليك بنيتك خوفاً عليها من عمامها!” في اللحظة هذيكة، دار يوسف لريم، وغزر لعينيها المصدومين. شاف فيهم نفس اللمعة، نفس النظرة الدافية متاع مريم، نفس الملامح اللي كان يرسم فيها كل ليلة في خياله.
الدموع هبطوا شلال على جواجيه، مد إيديه الزوز اللي يرعشوا وحضن ريم بكل قوته، حضنة كأنه يحب يدخلها بين ضلوعه، يعوضها على كل ليلة رقدت فيها وهي تتمنى ريحة بوها. ريم في الأول تجمّدت، ما فهمت شيء، أما في لحظة، تحركت غريزة الدم في عروقها، كبشت في كبوته الاكحل وبدات تبكي بصوت عالي هز أركان المدرسة كاملة، عياط متاع طفلة كانت تظن روحها مقطوعة من شجرة وفجأة لقات الغابة كاملة تحمي فيها. المدير والمعلمين والناس الكل وقفوا يمسحوا في دموعهم، والزغاريد بدات تطلع من نساء الحومة اللي كانوا حاضرين، فرحة بلم شمل تقطع من أجله اللحم.
أما التشويق ما وقفش هنا؛ يوسف وقف وهز بنته على كتافه، وغزر لمدير المدرسة وقال بصوت حاد ومليان تحدي: “اليوم رجع الحق لأصحابه… ومن غدوة الصباح، المحاكم باش تتحل، واللي حرموني من بنتي وعيشوا مرتي في قهرتها، باش يدفعوا الثمن غالي برشا، واحد واحد.” خرج يوسف من باب المدرسة وهو شادد إيد بنته ريم، مش كأنه يمثل دور البو لليوم برك، بل كأنه سلطان استرجع مملكته الضايعة، مخلّي وراه حومة كاملة تتحدث على المعجزة اللي صارت في نهار التخرج، وبداية حرب قانونية وعائلية كبرى باش تقلب عروش الظالمين.








