
حليت الصرّة بوجيعة وقهر، ونفضت عليها غبار السنين. لداخل، كانت ثمة مذكرات ووراق قديمة، كاتبها راجلي الله يرحمو بخط يدو، ومعاها عقود ملكية ومفاتح لزوز حوانت كبار في وسط البلاد، ونسخة من دفتر ادخار بنكي فيه مبلغ يعيّش ملوك.. راجلي كان حاسس، وكان ديما يقولي: “يا زهرة، ولدك انتهازي وصعيب ومايقدرش، وعمرو ما كان حنين.. هاذم ضمانتك للزمان”. أنا في وقتها غضبت عليه وقلتلو “هذا ولدي الكبيدة، مستحيل يرميني”، وخبيت الصرّة تحت الزليزة ومن وقتها نسيتها.
خرجت من غدوة، مشيت لعدل إشهاد وصححت على ورقة تنازل كاملة على الورث؛ الحوانت والفلوس والدار اللي قاعدين فيها توا، وبدلت كل شيء باسم جمعية خيرية لرعاية الأيتام والمسنين، وخليت لروحي كان تفتوفة صغيرة تعيشني مستورة في داري في باردو.
بعد جُمعتين بالتمام والكمال، وفي ليلة من الليالي، سمعت الكرهبة وقفت قدام الباب. دقان قوي ومفجوع. حليت، لقيت أنيس ومرتو سيرين، وجوههم صفر كاينهم خارجين من القبر. أنيس طاح على ركايبو وبدأ يبكي ويمسح على ساقيا: “أمان يا أمي سامحني، راني تغرّيت، سيرين لزتني.. رانا تفقرنا، البنك حجز على كل شيء والدار خرجونا منها اليوم، والمحامي قالي الي إنتي تنازلتي على أملاك بابا الكل وما عندنا فيهم حتى مليم!”.
سيرين كانت واقفة ورا راسها في الأرض، تبكي بالدموع وتطلب في السماح بعد ما لقات روحها في الشارع هي وولدها.
غزرتلهم الزوز ببرود، النفس اللي كانت تحن عليهم ماتت في السبيطار. تبسمت ووقفت على العتبة، وقلتلو بنبرة هادية ورزينة هزت الحومة: “يا ولدي، نهار اللي طاح ولدك، جيتك هاربة وحافية.. وإنتي طردتني وقولتلي (إنتي مش نافعتنا بحاجة). اليوم، أنا زاد ما عنديش بيكم حتى منفعة.. ربي يسهلكم في ثنية أخرى”.
وسكرت الباب في وجوههم، وخليتهم للشارع والندم اللي باش ياكل قلوبهم طول عمرهم.








