
وقف طارق في منتصف الممر كأن الأرض قد تمسكت بقدميه ومنعته من الحركة، بينما تحركت ندى بخطوات سريعة ومثقلة بالذكريات، تسحب خلفها الصغيرين اللذين التفت أحدهما ليُلقي نظرة أخيرة حائرة على هذا الرجل الغريب الذي يشبهه كثيراً. امتدت الممرات الطويلة أمام طارق وكأنها نفق لا نهاية له، وجدران المستشفى البيضاء الباردة بدأت تضيق عليه، بينما تردد صدى سؤال الطفل في عقله كدقات جرس مدوية: “من هذا الرجل؟” 💔.
لم يحتمل طارق البقاء واقفاً؛ فالأسرار التي تكشفت في ثوانٍ معدودة كانت أثقل من أن يحملها كبرياؤه. خرج إلى ساحة المستشفى الخارجية، حيث كان مطر حلب الشتوي يغسل الشوارع بقطراته الباردة. تطلع إلى السماء الغائمة، وترك المطر يبلل وجهه لعله يطفئ النار المشتعلة في صدره. كيف غاب عنه ذلك؟ كيف سمح لشكوكه وعناده قبل خمس سنوات أن يعميا بصيرته؟ لقد كان يلومها دائماً على عدم الإنجاب، وجعل من ذلك العذر حبل المشنقة الذي أنهى به زواجهما، بينما كانت الحقيقة أنها تحمّلت قسوته بصمت حتى نفد صبرُها، وفضلت أن تربي طفليها بعيداً عن أجواء المشاحنات والغرور 🌧️.
أدرك طارق في تلك اللحظة أن أمواله، وصفقاته الكبرى، وأبراجه الشاهقة التي أمضى السنوات الخمس الأخيرة في بنائها لم تعد تساوي شيئاً. ما فائدة النجاح إذا كان المرء يعود في نهاية اليوم إلى بيت بارد وخالٍ من الحياة؟ لقد رأى قطعتين من روحه تمشيان على الأرض، وتنظران إليه بعيونه، لكنهما لا تعرفان اسمه. الغضب الذي شعر به في البداية تحول تدريجياً إلى شعور عميق بالندم والمسؤولية. هو لم يعد ذلك الرجل الذي يهرب من المواجهات؛ فالأمر هنا لا يتعلق بصفقة تجارية يمكن تعويضها، بل بحياة ولدين يحملان دمه، وبامرأة ظلمها وظلم نفسه ببعده عنها 💼.
مسح حبات المطر عن وجهه، وأخذ نفساً عميقاً، مقرراً أن هذه المواجهة لم تكن النهاية بل هي البداية فقط. لن يترك الماضي يرحل هذه المرة دون إجابات، ولن يسمح لغروره القديم أن يحرمه من فرصة إصلاح ما انكسر. سيبحث عن ندى، وسيعرف الحقيقة كاملة، ليس بدافع الانتقام أو الفرض، بل رغبة في التكفير عن سنوات الجفاء، وإعادة بناء الجسور التي حطمها بيده، طالباً الغفران من العيون الصغيرة التي انتزعت منه كبرياءه في لمح البصر 🧭.








