أخبار

لعبة الضباع

كي سكر كريم الباب، تبدلت ملامحه جملة. الابتسامة اللي كانت على وجهه ذابت، وخلاتها نظرة باردة ومرعبة. قعد على الكرسي، شبك يديه في بعضهم وقالي بصوت واطي: “تتفكري وقت اللي خويا طردك وخلّاك تعاني؟ أنا ما جيتش ليك باش ننتقم منه على خاطرك إنتي برك.. أنا جيت باش ننتقم منه على خاطر روحي، وإنتي كنتِ مجرد ‘البيادق’ اللي باش نلعب بيها في الطرح هذا”.
حسيت بقلبي يرجف. كمل كلامه وقال: “طليقك خذا مني كل شيء: خدمتي، ورثي، وحتى البنية اللي كنت نحبها وخذيتها أنتِ.. اليوم، كي عرست بيك، أنا ما خذيتكش على خاطر نحبك، أنا خذيتك باش نمرمده في التراب، باش نوريه اللي خوه اللي كان يحقر فيه، خذا منه أغلى ما عنده.. إنتي اليوم مرتي قدام الناس، أما في الحقيقة، إنتي ‘كارت’ حرقته باش نذله”.
سكت لحظة وقرب مني لين تنفسه ضرب في وجهي، وقال لي: “لا تتوقعي مني حنان ولا حب، اللعبة بدات توه، وكيما هو دمر حياتك، أنا باش ندمر حياته هو ومرته الجديدة، وإنتي باش تكوني شاهدة على كل لحظة عذاب باش يعيشها”.
في اللحظة هذيكة، فهمت اللي أنا ما خرجتش من حفرة، أنا طحت في بير أعمق. لقيت روحي محاصرة بين نارين: طليقي اللي غدر بيا، وكريم اللي استغل وجعي باش يصفي حساباته القديمة. حسيت اللي كرامتي اللي حاولت نسترجعها، طلعت بعتها بسعر أرخص ببرشا.
قعدت واقفة في بلاصتي، والدموع تحجرت في عيني، وسمعت صوت ضحكته المكتومة وهو خارج من البيت، مخليني وحدي في ‘القفص الذهبي’ اللي حسبته خلاصي، وطلع هو السجن الحقيقي.
سألت روحي: هل نجم نهرب؟ والا مكتوب عليا نعيش في وسط حروب الرجالة اللي ما يرحموش؟ وهل بنتي باش تكون الضحية في اللعبة هذيكة؟
كلمات كريم كانت بمثابة الصدمة اللي فاقتني من وهم “الانتقام”. لقيت روحي مجرد ورقة في صراع عائلتي، وأني عوض ما نرد كرامتي، وليت ملكية جديدة في صراع “الذكور” هذوكة. ليلتها، ما غمضتليش عين، قعدت نخمم في بنتي، وفي مستقبلي، وفي كيفاش نخرج من “الحبس” هذا من غير ما نزيد نتكسر.
فهمت اللي كريم، كيف ما خذا فيا باش يذل أخوه، هو في نفس الوقت “محتاج” ليا كواجهة اجتماعية قدام العايلة، وهذاكا هو نقطة ضعفه.
من غدوة، بديت نلعب اللعبة بذكاء. وليت نبين لكريم إني متأقلمة، بديت نتقرب من “أسرار” الخدمة والورث اللي يحكي عليهم، وبديت نسجل كل تفصيلة صغيرة تضره، وكل ما يخص ألاعيبه المالية اللي كان يتبجح بيها قدامي في لحظات غروره.
في نفس الوقت، كنت نراقب طليقي من بعيد. لاحظت اللي هو ومرته الجديدة يعيشوا في جحيم حقيقي؛ الغيرة اللي زرعها فيهم وجودي كـ “كنّة” في العايلة، خلاتهم يتخبطوا. طليقي ولاّ يتبع في كل خطوة نعملها، وصار يلوج على أي ثغرة يرجعني بيها، خاصة بعد ما شافني قوية وواثقة في روحي.
نهار اللي كريم خرج باش يقابل شركاءه في صفقة مشبوهة، استغليت الفرصة. دخلت للمكتب متاعه، ولقيت الأوراق اللي تدين كل شيء.. مش بس خيانة أخوه، بل تورطه في قضايا فساد تنجم تنهي حياته المهنية والاجتماعية في رمشة عين.
ما مشيتش للشرطة، وما مشيتش نهزهم لطليقي. مشيت لـ “المكان اللي يوجع”. اتصلت بطليقي وطلبت نقابلو في مكان عام. كي جاء، لقى قدامه وحدة أخرى تماماً، مش البنية المكسورة اللي كان يضحك عليها.
رميت له الملفات على الطاولة وقلت له بصوت بارد: “اللعبة اللي دخلتوني فيها، أنا اللي باش ننهيها. الأوراق هذي توفا برشا حاجات، وتنهي وجود ‘كريم’ في حياتنا الزوز.. وإذا ما تبعدني وتخلي بيني وبين بنتي سكة آمنة، الملف هذا يوصل للجهات المختصة توه”.
صُدم، وجهه تبدل لونه، وحاول يتبلعم، أما أنا قمت بكل هدوء وقلت له: “انتهى وقت اللي كنتوا تحسبوني فيه رخيصة. أنا اليوم طالعة من بين ركام حروبكم، وأخوك وأنت، آخر همي.. بنتي هي اللي باش تعيش بعيد على عقلية الضباع متاعكم”.
خرجت من المقهى، ونسيتهم الزوز ورايا.. لا رجعت لكريم، ولا التفت لطليقي. كانت هذي أول مرة نحس فيها بطعم الحرية الحقيقية، حرية الاختيار، وحرية إني نكون “أنا”، مش ملكية حتى حد.
وهكذا، أدركت أن أقوى انتقام ليس إيذاء الآخرين، بل أن تكوني ناجحة، مستقلة، ولا تبالين بوجودهم في حياتك.

زر الذهاب إلى الأعلى