
دقات قلبي كانت أسرع من خطواتي وأنا متبعة المدير للمكتب متاعه. كل خطوة نخطيها على الرخام البارد متاع البانكة كانت تحسسني أني ماشية للمجهول. السيكوريتي كان واقف ورايا، كأني مجرمة شدوها متلبسة. سكر المدير الباب العالي وباقي شادد الدفتر الأزرق المبلول بين يديه كأنه شادد قنبلة موقوتة، قعد وراء مكتبه اللوح الكبير، غزرلي غرسة طويلة، ومبعد تنحنح وقال بصوت رصين: “آنسة مريم… الكلام اللي باش تسمعيه توا يوقف المخ، ولازمك تكوني قوية وتسمعيني للآخر. في السيستيم متاع البانكة، وفي دفاتر الحالة المدنية من عام 1999، مريم الهادي محمود… مقيدة متوفية. طفلة ماتت نهار ولادتها في السبيطار بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية.”
حسيت ببرودة في أطرافي وعيطت: “كيفاش متوفية؟ أهو أنا واقفة قدامك! لحم ودم! بطاقة تعريفي في يدك!”، فقص علي وقال: “هوني فين اللعبة.. بطاقة تعريفك تطلعت بطرق ملتوية مبعد سنين، أما الحساب هذا؟ الحساب المفتوح بالظرف الأحمر اتفتح نهار ولادتك. اللي فتحه مش جدتك… اللي فتحه هو أمك الحقيقية، منيرة بن صالح، قبل ما تتوفى بـ 24 ساعة في نفس السبيطار. أمك منيرة كانت من عائلة غنية برشا من صفاقس، خلاتلك ورث كبير.. دار في قمرت، وأراضي زيتون، ومبلغ مالي ضخم كضمان لمستقبلك. بوك الهادي، بالاشتراك مع أطراف أخرى، زوروا شهادة الوفاة متاعك وأنتِ طفلة عمرك نهار واحد! علاش؟ باش الورث الكل يمشي للزوج بحكم أن البنت ماتت وما عندهاش الحق في الإرث كاملاً.”
نزلت الكلمة عليا كيف الصاعقة، وبدا كل شيء يركب في مخي؛ التبسيمة متاع بابا، القسوة متاعه، وعلاش كان ديما يحب يدفن أي ذكرى لأمي. سألته وصوتي يرجف: “وجدتي آمنة؟ شمدخلها في الحكاية؟ علاش الدفتر عندها؟”، فجاوبني المدير: “جدتك آمنة هي اللي أتقذت حياتك. كي عرفت بلعبة ولدها الهادي، خطفتك وهي مازالت في السبيطار وخباتك عند أقاربها في الريف لسنوات، ولما كبرتِ رجعتك للبلاد على أساس أنك بنت جيرانهم اليتيمة وتبناتك. الهادي كي لقاك كبرتِ، ما نجمش يتكلم أو يشكي خاطر يولي هو المزور والمجرم. أما الحساب هذا؟ أمك اشترطت في عقد البنك إن الحساب ما يتحلش وما يتصرفش منه حتى فرنك إلا بحضور البنت بشخصها وبصمة إبهامها كي تقفل 27 سنة… اللي هو عمرك اليوم بالذات! بوك الهادي كان كل شهر يجي لهنا، يهدد، يزور إمضاءات، ويحاول يسحب الفلوس.. وجدتك كانت تدفع من دم قلبها، تصب في الحساب مبالغ صغيرة وتعمل تحويلات باش تبلوكي الحساب وتخليه ديما ناشط وتحت الرقابة، باش بوك ما ينجمش يتصرف في الأصل! الحروف (هـ.م) بجانب المبالغ الكبيرة ما كانتش فلوس صبها بابا… كانت المبالغ اللي حاول يسرقها ويسحبها بالتزوير، والجدة كانت توثق فيها في الدفتر الأزرق كدليل إدانة ضده!”
قبل ما نفيق من صدمتي، الباب المصفح متاع البانكة تدفع بقوة. دخل بابا الهادي، يلهث، وعينيه حمرين كيف الجمر، ووراه مرته سونيا وخويا مروان؛ كان حاسس إن الدفتر باش يوصل لهوني. شافني واقفة، وشاف الدفتر فوق المكتب، وجهه تقلب 180 درجة، قرب مني وعيط: “مريم! خذيتي حاجة مش متاعك! الدفتر هذاك يرجعلي أنا! أمي آمنة خرفت قبل ما تموت!”، وقف المدير بكل هيبة وقص عليه: “سي الهادي محمود… توا برك كنا نثبتوا في الحساب. الدفتر هذا مش لأمك… هذا الدفتر لبنتك مريم، اللي قيدتها متوفية من 27 سنة وباش تاخذ حقها وحق أمها منيرة مليم ينطح مليم.”
دار بابا يدور في عينيه في المكتب، حب يقرب مني ويفك الكيس، أما زوز خطوات من السيكوريتي الكبار كانوا كافيين باش يثبتوه في بلاصته. في نفس اللحظة، دخلوا زوز أعوان من الشرطة القضائية اللي طلبهم المدير من الأول. غزرت لبابا.. الراجل اللي كنت نخاف من ضله، شفت في عينيه لأول مرة الخوف، الذل، والانكسار. نحى قفازاته السوداء اللي كان مستعرض بيهم في المقبرة، ويديه بدات ترعش. قرب مني، غرزت عيني في عينيه، وتبسمت… نفس التبسيمة اللي كان يقهرني بيها سنين الله، وقلتله بصوت هادي وثابت: “الدفتر طلع يسوى برشا يا بابا… طلع يسوى حريتك، ويسوى حقي اللي حفرت عليه بظافري في طين الجلاز.”
خرجوه مكلبش هو ومرته اللي كانت تبكي وتصيح، وأنا قعدت وحدي في المكتب. مسكت الدفتر الأزرق، وحضنته بكل قوتي. حسيت بروح جدتي آمنة دايرة بيا، وبهمسها يرجع لودني: “المرأة قد تخاف… لكنها تستطيع أن تبقى قوية”. اليوم، سقطت الأقنعة الكل، وبدات حياتي الجديدة من تحت التراب، ولدت اليوم من جديد قوية، شامخة، ولا تنكسر.








