
رجعت مريم للدار وقلبها أخف برشة من العادة، كيف اللي نحات على صدرها جبل ثقيل كان كاتم أنفاسها ملي توفى ولدها أنس. لأول مرة ملي خرجت من السبيطار يدها فارغة، نجمت تطيب لقمة وتاكلها وهي مرتاحة، وبدون ما تحس بالمغصة اللي كانت تعصرلها مصارينها كل ما تدور في أركان الصالة وتشوف أثر راجلها صابر ولا ثنية بيته الفارغة. غلبها النوم على الكنبة، نوم عميق وصافي ما ضاقتاش ملي راحت روحها منها، وما كانتش تعرف إن صباح اليوم التالي باش يقلب حياتها ويحطها قدام واقع جديد ما يخطرش على البال…
في الصباح الباكر، مع أول خيوط الشمس اللي دخلت من الشباك، فاقت مريم على صوت دق قوي ومتواصل على باب الدار. مسحت عينيها بالخوف، مشات تثاقل في خطواتها وهي تتساءل شكون يجي في الوقت هذا. فتحت الباب، وتسمرت في بلاصتها.. المظهر كان كفيل باش يوقف قلبها؛ كان راجلها صابر واقف على العتبة، وجهه أصفر، عينيه منفخين بالبكاء والدموع نازلة على خدوده بدون توقف، وبين يديه نفس العربة ونفس الكواتن والدبش اللي عطاتهم لأميمة البارح في القصبة!
وقفت مريم مصدومة، يدها على فمها وصوتها خرج مخنوق بالسيف:
— صابر؟! الحاجات هذه كيفاش رجعت هنا؟! أنت وين لقيتها؟ وشكون جابها؟
قرب منها صابر، حط العربة على جنب، وفي لحظة ضعف وانكسار ما شافتهاش فيه قبل، عنقها بقوة وهو يبكي بصوت عالي ينحب:
— سامحني يا مريم.. يرحم والديك سامحني، أنا كنت أناني وقاسي معاك ومع روحي!
مريم ما فهمت شيء، قعدت تثبت في عينيه وهي مصدومة. قعدها صابر على الكرسي وجلس حذاها على ركبتيه، مسك يديها الاثنين وقالها بصوت يرتجف:
— البارح بعد ما خرجت من الدار وفاليزتي في يدي، مشيت نقعد في القهوة القريبة من القصبة باش نقابل السمسار. وأنا قاعد، شفت طفلة صغيرة تسوق في عربة أنس.. العربة اللي قعدنا ليالي نركبو فيها سوا، الماركة واللون والتخبيشة الصغيرة اللي في العجلة، نعقلها ولو بين ألف عربة! قلبي خرج من بلاصته، قمت كالمستحوذ، مشيت للطفلة ونحس في راسي باش يطرشق، قتله بحدة: “منين جبتها العربة هذه؟!” الطفلة خافت في الأول، أما بعد بدات تحكيلي وهي تبكي بالدموع.. حكاتلي على المرأة الفاضلة اللي جابتلها دبش كامل وعربة جديدة، وحكاتلي كيفاش هذيك المرأة قالتلها بكل انكسار: “ولد أنس ما لحقش يعيش.. خليه يسيب أمل في حياة طفل آخر.”
سكت صابر شوية، غطى وجهه بيديه وتنهد بتنهيدة خرجت من أعماق قلبه قبل ما يكمل:
— في اللحظة هذيك يا مريم، حسيت بكف قوي على وجهي.. عرفت قداش أنا كنت هراب وخافيت من الوجع، وخليتك تعاني وحدك في الظلمة. أنت اللي كنت موجوعة أكثر مني، اخترت تعطي أمل ورحمة للناس، وأنا اخترت نبيع الدار ونحرق الذكريات ونهرب. لما عرفتني الطفلة إني راجلك من كلامك على أنس، بكات وأصرت ترجعلي الحاجات وقالتلي: “هذا رزق ولدك ومتاعه، وأنا ربي توا يرزقني.” أما أنا ما نجمتش نخليهم بلاش.. هبطت للغازاز وشريتلها عربة جديدة ودبش وحفاضات، ورجعتلها فرحتها. وجبت دبش ولدنا ورجعتلك أنت يا مريم.. مش باش نبيعو الدار، وباش نقعدو هنا نعديو الوجيعة مع بعضنا ونبنيو حياتنا من جديد.
دموع مريم هبطت سخونة، أما المرة هذه ما كانتش دموع قهرة، كانت دموع راحة وأمل. حطت يدها على رأس راجلها وهمست: “المهم رجعت يا صابر.. والمهم أنس ساب رحمة في الدنيا قبل ما يمشي.” 🤲❤️








