أخبار

لحظة الحقيقة: الفاتورة القاسية للأنانيّة

 

الكولوار اللي كان غارق في سكات الموت، تقلب في ثانية لـحالة طوارئ قصوى. الأطباء والفرملية يجروا بنسق جنوني، وصوت الماكينات من داخل بيت العمليات يعيّط بصفير متواصل يلوّع القلب. عمي الباجي طاح على الكرسي وهز يديه للسماء يدعي بغصّة، وأم سوار بدات تخبط في وجهها وتبكي بالصوت. حتى محمود، هاك الراجل اللي كان منفوخ بالكبرياء ويتوعد بالطلاق وباش ما يدفع حتى فرنك، تسمّر في بلاصته والدم هرب من وجهه. السبيطار والناس الكل اختفاو من عينيه، وما قعد ثمة كان صوت ضميره اللي فاق فجأة بعد ما عماه الطمع والمظاهر.

تعدات ربع ساعة كأنها عام، حتى تفتح الباب المحصّن، وخرج البروفيسور وهو ينحي في الڤان (القفازات) ببطء، ووجهه معبّي بالتعب والأسف. محمود اندفع نحوه بلهفة وخوف، يحب يسمع أي كلمة تريّح ذنبه، أما الطبيب تجاوزو وغزر لعمي الباجي مباشرة وقال بصوت رزين وموجوع:

“يا عم الباجي.. إحنا عملنا اللي علينا ودخلنا في سباق مع الوقت. الطفلة صابرة ومتحملة الوجيعة عندها أسابيع، والسرطان للأسف ما كانش في المرحلة الأولى كيما في بالكم.. التحاليل الأولى كانت ناقصة، والمرض كان متخبي وماشي وينتشر. استأصلنا الثدي وأجبرنا ننظفو الغدد اللمفاوية اللي تحت الإبط كاملة باش نمنعولها حياتها.. العملية كانت صعيبة برشة، وبدنها ضعيف من قلة الماكلة والستريس، وصارلها هبوط حاد في ضغط الدم وسط الجراحة، والحمد لله سلكناها في آخر لحظة.”

في اللحظة هذيكة، تفتح الباب وخرج السرير المتحرك وفوقه سوار.. وجهها أصفر كيف الشمع، تحت التخدير والتنفس الاصطناعي، وصدرها مربوط بضمادات بيضاء معبية بآثار الدم. منظرها كان يقطّع القلب، صدمة حقيقية خالية من أي مكياج أو مظاهر.

محمود غزر للمنظر هذاكة وفهم حجم الجريمة اللي عملها في حق مرته وأم أولاده. فهم اللي هي كانت تموت بالحق وهو كان يتبجّح بكلمة “رجولية” و”مظهر”. انهار على الركايب ومسح وجهه بيديه وهو يبكي بالدموع، يحب يقرب للسرير ويطلب السماح، أما عمي الباجي وقف في وجهه كيف السد المنيع، وغزرله بنظرة احتقار باردة وقاله كلمتين نهات كل شيء: “ابعد على بنتي.. توة وفات الحكاية، والفلوس اللي ما حبيتش تدفعها، دفعناها إحنا.. أما رجوليتك وصحتها، عمرك ما عاد تشريها بمال الدنيا.”

زر الذهاب إلى الأعلى