
فقت من الغيبوبة على صوت صراخ نهى وهي تخض فيا وتبكي برعب: “أحمد! أحمد أمانك قوم! شبيك ش صارلك؟ ش فما في الجواب هذا اللي طيحك هكا؟! قلبي باش يوقف!”.
حليت عيني بالسيف، الدنيا كانت تدور بيا كأنها إعصار، ونشوف في السقف يلف فوق راسي. الدار اللي كانت دافية حسيتها ولات باردة ومظلمة كيف القبر. هزيت يدي المرعوشة بالسيف وشاورت على الورقة اللي كانت طايحة في القاعة… الورقة اللي كانت تحمل سر غيّر حياتي وثقّب قلبي.
هزت نهى الورقة بلهفة وبدات تقرا فيها بصوت واطي، وفي ثواني، الصوت هذا اختفى… وجها تبرّش، ولونها خطف وولى أصفر كيف الليمونة، وتلفّتتلي وعينيها خارجة من بلاصتها من الرعب، والورقة بدات ترعش في يدها لين طاحت منها مرة أخرى.
الجواب ما كانش من دار المسنين، وما كانش مكتوب بخط غريب… الجواب كان مكتوب بـ خط أمي الغالية! خطها الرشيق والمزيان اللي نعرفو ملي كنت صغير، الخط اللي علمتني بيه نقرا ونكتب. خطها اللي قهر المرض المزعوم وكتب كلمات حبرهم كان بدموعها… والأخطر من هذا، الكلام اللي كان مكتوب فيه نسف كل شي كنت نظن روحي نعرفو، وكشفلي الكابوس الحقيقي اللي كنت عايش فيه وأنا مغمض عينيّ:
“إلى ابني وحبيبي، ونبض قلبي الوحيد أحمد…
يا ولدي، إذا قاعد تقرا في السطور هذي، معناه إنت عملت اللي هما خططوا ليه بالضبط، وهزيتني لدار المسنين بيدك…
يا أحمد، يا قرة عيني، أنا ما عنديش الزهايمر! أنا لاباس عليّ وعقلي يوزن بلاد وما نسيت شي من ريحة بوك ولا من تفاصيل حياتنا. أما مرتك نهى، بالاشتراك مع أختها اللي تخدم ممرضة في المشتشفى، كانوا يحطوا لي في دواء مهدئ وقوي ياسر يهلوس ويفقد الذاكرة في الماكلة وفي التاي اللي تشربهولي نهى بانتظام، باش نولي نصرخ وضايعة ونعمل العرك، وباش إنت تضطر تخرجني من دار بابا الله يرحمو وتخلالهم الدار وحدها، وتكتبها باسمها كيف ما كانت ديما تلمحلك!
نهار الجمعة اللي فات، دخلت لبيتها باش نلوج على تليفوني اللي غبر، لقيت الأوراق الطبية والعلب متع الدواء المخبيين ورا الخزانة، وسمعتها في نفس اللحظة تتكلم في التليفون مع أختها وتقول بضحكة شماتة: ‘خلاص، الراجل مهدود وتعب ولعبتلو بأعصابو، وغدوة الصباح باش يهزها لدار العجز ونرتاحوا من ريحتها ومن شوفتها للابد’.
يا ولدي، أنا مثلت الهدوء ومشيت معاك البارح وجاريتك في كذبتك باش نحميك ونحمي صغارك، خفت لو كان نحكي لك في الدار تكذبني وتخرب دارك وتضيع بيني وبين مرتك، وخفت لا يعملوا فيك ما عملوا فيا ويعطوك من نفس السم. الجواب هذا كتبتو في الليل بالسر ودموعي حارقة عينيّ، وخبّيتو في دَبشي، والبارح وأنا خارجة عطيتو لولد جارتنا ‘عماد’ وحلفتو بغلاوة أمو يطيشهولك تحت الباب الصباح بعد ما نمشي بساعة.
رد بالك على روحك وعلى صغارك يا أحمد… الدار اللي إنت فيها توا، ما عادش دارنا.. هذي حفرة متع أفاعي…”
وقفت على ساقيا بالسيف، والدموع الهابطة من عيني كانت تحرق في وجهي كيف النار. التفت لنهى… كانت واقفة في ركن الصالة، عينيها يلمعوا بخوف وغدر، وخطواتها بدات توخر لـتالي وهي ترعش وتلعثم: “أحمد… والله تكذب… أمك خرفت… ما تصدقهاش…”.
قربت منها وأنا حاسس بغليان في صدري عمري ما حسيتو قبل، وفي اللحظة هذيك، عرفت الفاجعة الكبرى: أنا بيديا، بغبائي وثقتي العمياء، سلمت أمي الغالية، قطعة من الجنة، للظلمات وللغربة… وبإيدي دخلت الشيطان لبيتي وعيشتو في حظني!
أخذت مفاتيح الكرهبة وجريت لباب الدار وأنا نصرخ بأعلى صوتي: “والله العظيم ما نرحمكم! اليوم نهايتكم!”… وخرجت نجري في الشارع وعقلي طاير، بهدف واحد برك: نرجع أمي، ونطلب سماحها تحت ساقيها، وقبل ما تشرق شمس النهار هذا، الحساب باش يكون عسير ويقّيدو التاريخ








