أخبار

السر المدفون في السانية

في اللحظة هاكي تلاقت عينيهم وسط البيت الشبه الظالمة، جمدت الدماء في عروق حورية. تراجعت خطوة إلى الخلف، وصرخت بصوت مكتوم وهي تشير إلى الباب: “وله جيت؟ شتحب عندي؟ اخرج! البرة! مابقاش حاشتي ليك، ماقاش عندما بلاصة لا في حياتي ولا في المكان هذا!”.
هشام ماتحركش، juste سكر الباب وراه ، وقربلها وعينيه كلهم دموع وندم، جثا على ركبتيه أمامها في مشهد لم تكن تتخيل يوماً أن تراه من رجل بكبريائه، وأمسك بطرف فستانها باكياً: “سامحيني يا حورية.. أنا كنت اعمى، الغيرة والشك والناس اللي من مصلحتهم يخربوا بيتنا عموا عيني.. مازن ابني، وأنتِ شرفي وعرضي، اضربيني، اطرديني اما ماتسيبنيش!”.
كانت مواجهة عاصفة، تداخلت فيها صرخات حورية المكبوتة مع توسلات هشام، حتى فاق الصغير مازن وبدأ يبكي. في تلك الأثناء، كان الجد عبد الصمد يقف خلف الباب، وقد قاده قلقه وسماع الأصوات المرتفعة إلى الصعود. فتح الباب فجأة لتنكشف أمامه الحقيقة كاملة.
لم تحتمل حورية الضغط، وانفجرت باكية وأخرجت من حقيبتها تقرير المستشفى ونتائج تحليل الـ ADN والطلب الذي قدمه هشام، وخلاتهم قدام جدها “أهو موش هذا حبيبك يا جدي! موش هذا الي أمنته عليا! جابني للمخابر طلع يشك في وفي شرفي ويشوف الطفل ولدو ولا لأ!”.
وقع الكلمات كان كالصاعقة على الجد عبد الصمد. تراجع خطوتين،وشد صدرو وعينيه تحلت والصدمة اثرت فيه. غزر لهشام، الي اعتبره ولدو، وقال بصوت يرتجف: “تطعن بنت ابني في شرفها يا هشام؟ هكا ربيتك! العيب مش عليك.. العيب عليا الي أمنتك!”. ولم يكمل الجد جملته حتى سقط أرضاً فاقداً للوعي إثر نوبة قلبية مفاجئة جراء الصدمة.
تحولت السانية في دقائق إلى ساحة من الرعب؛ صراخ حورية هز أرجاء المكان، بينما كان هشام يحمل الجد بذهول والندم يأكل قلبه، ونقلوه فوراً إلى المستشفى الإقليمي. هناك، مرت ساعات عصيبة في غرفة العناية المركزة، ساعات كان فيها هشام منبوذاً من الجميع، يقف في زاوية الممر كالذليل، بينما حورية تبكي بحرقة وخوف على جدها، محملة هشام ذنب كل ما يحدث.
بعد ساعات حبست الأنفاس، خرج الطبيب ليطمئنهم أن الجد تجاوز مرحلة الخطر لكنه يحتاج إلى راحة تامة وصدمات أقل. سُمح لحورية بالدخول، وعندما فتح الجد عينيه ورأى دموعها، أشار إليها لتترجى الطبيب بالسماح لهشام بالدخول لثوانٍ معدودة.
دخل هشام منكس راسو، لا يقوى على رفع عينيه في وجه الرجل الذي أحسن إليه. نظر إليه الجد عبد الصمد بنظرة حكيمة ومكسورة في آن واحد، وقال بصوت واهن: “يا هشام.. الي عملتو لا سماح ولاغفران.. الدار اللي يدخلها الشك تموت، وأنا ما نجبرش بنت ابني تعيش مع راجل بخل عليها بالأمان.. اخرج، وربي يسامحك على الي عملتو فينا”.
حاول هشام يتكلم ، لكن إشارة من يد الجد الصارمة جعتله يتراجع. خرج هشام من المستشفى وهو يجر أذيال الخيبة، مدركاً أنه لم يخسر زوجته وابنه فقط، بل خسر العائلة الوحيدة التي احتضنته، ودفع ثمن سماعه لوشايات الحاقدين الذين أرادوا تدمير سعادته.
أما حورية، فقد قررت وهي تمسك بيد جدها داخل الغرفة، أن تغلق صفحة الماضي تماماً. أخذت طفلها وعادت لتعيش في السانية، لتبدأ حياة جديدة عنوانها الكرامة وتربية ابنها مازن بعيداً عن سموم الشك، واضعة حبها لهشام في صندوق قديم غطاه التراب، ليبقى درساً قاسياً عن الحب الذي يقتله عدم الأمان.

زر الذهاب إلى الأعلى