أخبار

طيف الياسمين يغلب ريحة الجافيل

يا لوعة قلبي ويا فرحتي اللي هزت أركان المكان! الكلمة هذيك “جدة” ما طلعتش من فمها، طلعت من روحي اللي كانت على شعرة وتفارقني. وقفت على سقايا بلا ما نشعر، العكاز اللي ساندني عام كامل طاح، وكأني رجعت بنت العشرين.

سارة جرات، رمات روحها في حضني… عناق رجّع الروح للجسد، ومسح ريحة الجافيل والرطوبة في غمرة وحدة. بكينا في زوز، بكينا لدرجة الخالات والممرضات تلموا علينا والدموع في عينيهم. خالتي زينة غطت وجهها بملحفتها وتبكي… لعلها شافت في سارة وليدها اللي ما رجعش.

قلتلها وأنا نمسح في دموعها الطازجة: “جيت يا بنتي… جيت يا كبدي… وفيت بوعدك”.

غزرتلي وعينيها فيهم لمعة غريبة، مش بس فرحة… فيها خوف، وفيها تحدي كبير. جبدتني من يدي وقالتلي بصوت واطي ومزرووب: “جدة، ما ثماه وقت… لازم نخرجوا توا حالا، قبل ما يفيقوا… وقبل ما تجي أمي ليلى!”.

هوني قلبي دق دقة غريبة… علاش الخوف هذا الكل؟ وعلاش ليلى باش تجي؟

خرجنا من الباب الكبار، نجر في خطايا وراها، وكان ثمة تاكسي واقفة تستنى فينا على نار. ركبنا، وسارة تتلفت وراها كل دقيقة وكأنها هاربة من مصيبة.

في الثنية، شدت سارة يديا الزوز، وكانت ترجف. غزرتلها وقلتلها: “يا بنتي فهميني، شنيّة الحكاية؟ إنتي توة عمرك ثمنطاش، علاش الخوف هذا الكل؟”

هبطت راسها وبدات تحكي، والتشويق ركبني من راسي لساقيا: “يا جدة… أمي ليلى ما سيباتكش في دار المسنين خاطرها فدت منك ولا حبت على مساحتها الخاصة… هذاكا الفيلم اللي مثلتو عليا وعليك. أمي باعت الدار الكبيرة… دارك إنتي اللي كتبهالك جدي قبل ما يموت! أمي ليلى دخلت في مشروع فاشل مع ناس ما يرحموش، ورهنت الدار وباعتها باش تسلك روحها، وكتبتك في دار المسنين باسم مستعار وبأوراق مزورة باش حتى حد من العايلة ما يوصلك ولا يفيق باللي عملتو! وأنا… أنا فقت بكل شي بالصدفة البارح بركة، كي لقيت الأوراق الحقيقية والكمبيالات في بيتها!”

أنا شهقت، والوجيعة ه المرة ما كانتش خذلان برك… كانت صدمة من بنتي اللي من دمي ولحمي.

التاكسي وقفت… مش قدام دار قديمة ولا برطمان صغير. وقفت قدام الدار الكبيرة متاعي! نفس الباب اللوح العتيق، ونفس شجرة الياسمين.

سارة غزرتلي وقالت: “اليوم عيد ميلادي الثمنطاش، واليوم قانونياً يوفى مفعول واحد من الشروط اللي خلاهم جدي في وصيتو… الدار ما تتسجلش باسم أمي إلا إذا وافقت أنا كي نكبر، وأنا اليوم جيت نرجعلك حقك”.

أول ما حطينا ساقينا في السقيفة، سمعنا صوت كراهب فرينات بقوة ورانا.

تلفتنا… كانت ليلى. بنتي.

وجهها كان أصفر كيف الليمونة، عينيها خارجين بالصدمة والخوف. غزرت لسارة وغزرتلي، وقالت بصوت يترعش بالغل والخوف: “إنتوما شقاعدين تعملوا هنا؟ سارة… كيفاش تخرجها من غير علمي؟ والأوراق اللي في بيتي وينهم؟”

سارة قدمت خطوة، بكل شجاعة وعناد، وقفت قدام أمها وقالتلها: “الأوراق عند المحامي يا أمي. واللعبة وفات. الجدة رجعت لدارها… واليوم، إنتي اللي لازم تلوج على مساحتك الخاصة!”

ليلى طاحت على ركابها تبكي، مش ندم… بل حسرة على المخطط اللي طاح في الماء. أما أنا، غزرت لبنتي بنظرة فيها برشة وجيعة وبرشة عطف متاع أم، لكن المرة هذه ما ضعفتش. تقدمت، هزيت مفتاح الدار اللي كان مخبي تحت محبس الياسمين من سنين… وحليت الباب.

التفتت لحفيدتي سارة، العجوز الصغيرة اللي رجعتلي هيبتي، وعنقتها. عرفت وقتها اللي الدنيا يدور فيها الحق، وأنّو الخذلان ينجم يجي من أقرب الناس ليك (بنتك)… لكن العوض والرحمة والعدل ينجم يولد من نفس الشجرة (حفيدتك). دخلت لداري، وريحة الياسمين تونسية حرة، غطات على ريحة الجافيل واليأس للأبد.

زر الذهاب إلى الأعلى