
انتهى كل شيء في لحظة، ومُدّت يد خالد لتمسك بكتفي، يحاول في نزعه الأخير أن يلفق كذبة أخرى يرمم بها جدار غدره الذي انهار أمام عينيّ. كان يحاول الكلام، يبرر، يتلعثم، والطفلة الواقفة بجانبه تبتسم في برود استفز كل عرق في جسدي.
لكن رنين هاتفي قطع محاولاته البائسة. سحبت الهاتف بهدوء قاتل، فتحت الرسالة التي انتظرتها شهراً كاملاً، وكانت من وكيل شركة العقارات والأموال الدولية بتونس العاصمة: “مدام نادية، تم تأكيد نقل ملكية الحساب البنكي والفيلا المسجلة بجهة قمرت باسمك رسمياً، بناءً على التفويض البنكي العام والوصية الموثقة.”
نظرت إلى خالد، وابتسامة باردة ارتسمت على شفتيّ لأول مرة منذ سنوات. صدمته نظرتي، تراجع خطوة إلى الوراء وكأنه رأى شبحاً. لم يكن يعلم أنني قبل أسبوعين من مسرحية “الإفلاس” التي أخرجها، كنت أنظف مكتبه القديم في غرفته الخاصة، ووجدت بالصدفة البحتة أوراقاً سرية تثبت أنه ورث ثروة ضخمة من عمّه المغترب في كندا الذي توفي دون أبناء، ثروة تقدر بمليارات المليمات، عقارات في أرقى مناطق تونس، وحسابات بنكية متخمة.
لكنه، بدلاً من أن يأتي ويفرحني، اختار أن يغدر. اختار أن يختبرني بطريقة دنيئة، بل وأكثر من ذلك، أراد تجريدي من كل ما أملك—حتى ذكرى والدي—ليصرفها على نزواته وجاريته الجديدة. وما لم يكن يحسب له حساباً، أنني في ذلك اليوم، تواصلت مع محامٍ خبير، واستغللت توقيعاً قديماً وتفويضاً عاماً كان قد وقّعه لي في بداية زواجنا لإدارة بعض الأوراق حين كان يسافر، وبتخطيط هادئ وقانوني، قمت بنقل الحصة الأكبر من أملاكه الجديدة والقديمة إلى اسمي واسم أبنائي، تاركةً له الفتات دون أن يشعر، منتظرةً فقط الإجراءات القانونية لتكتمل.
“نادية.. اسمعني.. الأمر ليس كما تظنين”، قالها وصوته يتهدج.
نظرت إلى الطفلة الواقفة بجانبه، ثم إليه، وقلت بصوت مسموع هزّ أركان المكان: “السيارة الفخمة التي تركبها، والبدلة التي ترتديها، وحتى السلسلة الذهبية التي أهديتها لعشيقتك.. كل هذا دفع ثمنه من أموالي. لكن الأهم من ذلك يا خالد.. أن هذه السيارة والفيلا التي كنت تنوي أخذها إليها في قمرت، أصبحت منذ دقيقتين ملكي أنا وحدي قانونياً.”
شحب وجهه تماماً، وسقطت النظارة الغالية من يده لتتحطم على الأسفلت. سحبت الطفلة يدها منه بسرعة عندما أدركت أن “رجل الأعمال الثري” ما هو إلا مفلس حقيقي الآن.
التفتُّ وعمّال السوبر ماركت يراقبون المشهد، وركبت أول سيارة تاكسي مرت من أمامي، تاركةً إياه يصرخ وراء الصدمة التي لم يتوقعها. عدت إلى منزلي، لملمت أشياء أولادي، وقبل أن أغلق الباب وراء عهد خيانته، تركت له على الطاولة ورقة قضية الطلاق، ومعها أمر طرد من الشقة التي أصبحت باسمي. خرجت إلى الشمس، حرة، قوية، وبيدين فارغتين من الذهب، لكن بقلب مرصع بالكرامة التي لا تباع ولا تشترى.




