
خرجت هانيا من القصر والغلّ ياكل في قلبها، تتوعد بنار الانتقام وتخمم كيفاش تفركش هالعرس وتدمّر فرحة نور وسليم، لكن سليم ما كانش غافل عليها، وكان يعرف البير وغطاه؛ بعث وراها شكون يراقب خطواتها ويقص جوانحها قبل ما تخطّط لأي مصيبة، وهكّا تلمّت الحكاية وتسكر باب المشاكل والشرّ اللي كان يهدد فيهم.
تعدّت الأيام تجري، والدار الكبيرة في المرسى تملات بالزغاريد والفرحة، وجاء النهار الموعود اللي استناته نور وسليم بفارغ الصبر. القصر تزين بأبهى زينة، والأضواء شاعلة تضوي في ليل تونس المزيان، والناس الكل فرحانة وتباهي بالعروسين. نور خرجت كيف الفزعة، لابسة كسوتها البيضاء المطرزة بالحرير، تلمع كيف قمر ليلة أربعتاش، ووجها منور بالخامسة والحوت، وضحكتها اللي ترد الروح ما فارقتش شفايفها. أما سليم، فكان واقف يستنى فيها في وسط الصالة، لابس مريوله العربي وسوريته البيضاء والفرملة المطرزة بالخيوط المذهبة، هيبة ورزانة وعينيه ما نزلوش من على نور، مش مصدق اللي الطفلة اللي كبرت قدام عينيه وعشقها من صغره، اليوم باش تولي مرته وحلاله وأم ولاده.
قرب منها بالسياسة، وشد يدها الدافتين بين يديه، وباسها على جبينها قدام الناس الكل، وهمس لها في وذنها بصوت مليان حب ودلال: “أهو الدواء الحقيقي يا قلب سليم، اليوم وليت ملكي ومتاعي، وما عاد يفصلنا حتى حد في الدنيا هذي”. نور حشمت وهبطت عينيها، والتبسيمة سكنت وجها وقالت له بصوت خافت: “مكتوبي معاك من الأول يا سليم، وعمري ما حبيت ولا باش نحب راجل غيرك”.
الجد كان واقف من بعيد، شاد عصاته وفرحان باللحظة اللي خطط لها ونجح فيها، يغزر لثمرة تعبه وعائلته اللي تلمت من جديد، وعينيه دمعت بالدموع الفرحة وهو يشوف في سليم ونور شادين يدين بعضهم ويوزعوا في الضحكات على ضيوفهم. بدات النوبة التونسية تضرب، والأجواء ولات معبية بالبخور والزغاريد، والكل يبارك ويدعي لهم بالخير والهناء والذرية الصالحة. سليم دار بنور وبدا يشطح معاها على نغمات المزود، يغزر لها بكل فخر واعتزاز، كأنه ملك الدنيا وما فيها في هذيك الليلة. وانتهت قصة العناد والخوف، وتبدلت بحياة جديدة كلها أمان واستقرار، وبقات قصة حب سليم ونور حكاية تتحدث بها العائلة، قصة بدات بدموع وغيرة مشعلة، ووفات بأحلى ليلة وبداية لعمر طويل ومكتوب ما يمحاهوش الزمان.








