
تسمرتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أنظر من وراء كتف حماتي. لم يكن هناك صراخ، ولم تكن هناك دموع، بل كان هناك مشهدٌ يقطع أنفاس أي رجل..
رأيتُ “منى” تجلس على مقعد خَشبي في وسط الرواق، وبجانبها رجلٌ غريب يرتدي مِعطفاً مختبراً أبيض، يحمل في يده حقنة طبية، بينما كانت ممرضة أخرى تحاول تهدئتها وهي تمسح على رأسها. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في وجود الطبيب، بل في منى نفسها!
كانت زوجتي، الإنسانة الهادئة والمثقفة، قد قصّت شعرها الطويل بالكامل بطريقة عشوائية ومفزعة، وكانت تحتضن وسادة فارغة وتُهدهدها وتُدندن لها بصوت مبحوح، وعيناها شاخصتان نحو الفراغ بنظرات باردة خالية من أي حياة. لم تكن هناك أي علامة تدل على أنها تدرك ما يدور حولها.
التفتت إليّ حماتي، وعيناها تشتعلان بدموع القهر والغل، وقالت بصوت مخنوق كالفحيح:
“هل جئت لتطمئن على ضحيتك يا سامي؟ انظر جيداً.. هذا ما جنته يدك ويد أمك! صدمة الصفعة، مع خذلانك لها، وإجبارها على كبت قهرها في صمت وهي في أضعف حالاتها الجسدية والنفسية، فجّر لديها صدمة عصبية حادة واكتئاب نفاس ذُهاني.. لقد فقدت عقليتها، وصارت تظن أن ابنها قد مات بسبب تلك النفخة، بينما الصغير يبكي في الغرفة الداخلية محرومًا من صدر أمه!”
نزلت الكلمات عليّ كالصواعق المتتالية. التفتُّ إلى أمي التي كانت تقف خلفي، فرأيت لأول مرة في عينيها نظرة الرعب والندم؛ سقطت هيبتها وجبروتها في ثانية واحدة، وتراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تمسك فمها بيدين ترتجفان، مُدركة أن “الكف” الذي استصغرته قد دمر عائلة كاملة.
حاولتُ التقدم خطوة نحو الداخل، صرختُ بملء صوتي: “منى! أنا سامي.. سامحيني!”، لكن الممرض منعني بحزم وهو يقول: “أرجوك يا سيد، وجودك يزن كابوساً يضغط على جهازها العصبي، انسحب فوراً قبل أن تدخل في نوبة تشنج جديدة”.
عدتُ أدراجي، أجر أذيال الخيبة والندم. ركبتُ سيارتي وأنا أستمع إلى أنين أمي الصامت بجانبي، لكنني لم أعد أرى فيها الأم التي تُبر بظلمها، بل رأيت فيها الشريكة في جريمة اغتيال زوجتي نفسياً.
أدركتُ في تلك اللحظة المظلمة أنني لم أخسر منى فقط، بل خسرت نفسي، وخسرت طفلي الذي سينشأ مشتتاً، وتيقنتُ متأخراً جداً أن البر لا يعني أبداً الصمت عن الظلم، وأن القوامة لم تكن يوماً بالجبن والاختباء خلف عباءة رضا الوالدين على حساب سحق كرامة إنسانة استأمنتك على عمرها.
نهاية القصة.. وبداية العبرة:
انتهت حكايتي في أروقة المصحات النفسية، بين طليقةٍ غائبة عن الوعي، وأمٍّ ينهشها شعور الذنب حتى المرض، وأنا.. رجلٌ يعيش بجسد بلا روح، يحترق كل ليلة بنار السؤال: “لماذا لم أكن رجلاً في اللحظة التي احتاجتني فيها زوجتي؟”.
احذروا الظلم.. فكسر الخواطر في لحظات الضعف، قد لا تجبره مياه البحار ولو سُكبت كلها!








