أخبار

الهروب من فم الذئب

الهروب من فم الذئب

الركضة هذيك في شوارع أريانة كانت أطول وأصعب ركضة في حياتي. النفس مقطوع، وساقيا مش حاملتني، وإيناس تجري ورايا وتلهث، ماهيش فاهمة شيء أما حاسة إلي كابوسها المكتوم قرب ينتهي. مراد كيف شافني نجري، تبدلت ملامحه في ثانية، تنحت الضحكة الصفراء وظهر وجهه الحقيقي؛ وجه وحش يحب يخلط على فريسته قبل ما تفلت. بدا يعيط ورايا بصوت مرعب: “نادين! أقف! وين ماشية بالطفلة؟”، والناس في الشارع تخزرلنا ومستغربة. ما لفتش ورايا، كبشت في يد بنتي لين صوابعي غرزت في لحمها، ودخلت نجري لمركز الأمن كيف الإعصار.

أول ما دخلت، رميت روحي على أول مكتب قابلني، ودموعي وشهاقتي سبقت كلامي. جاني رئيس المركز وجرّالي كرسي وهو يهدّي فيا: “يا مدام استهدي بالله، شكون وراك؟ شكون جرا في جرتك؟”. جبدت الورقة المكمشة من جيب مريولي ويد تترعش، عطيتهالها وأنا نمرمد في الكلام: “راجلي… بنتي… دكتور حاتم… أمانكم احميوها!”. الراجل قرا الكلمات المكتوبة بخط يد الطبيب، وعينيه حيرت. في نفس اللحظة، دخل مراد للمركز، يدّعي البراءة وينهج، وبدا يصيح: “سيدي الرئيس، مرتي هبلت، خذات البنت وهربت من عيادة الطبيب بلا سبب!”.

أما رئيس المركز كان فايق ولماح، أشار للأعوان بكل برود: “شدوه عندك، ما يخرجش”. في نفس الوقت، طلب جلب طبيب شرعي فوراً بالتنسيق مع النيابة العمومية، وكلم دكتور حاتم يجي يسمعوا شهادته. دكتور حاتم ما كذبش خبر، ربع ساعة وجاء يجري، ودخل للمكتب وعينيه حمراء بالدم، قال للحاكم: “البنت جاتني والدمار باين في فمها، فمّ كدمات زرقاء تحت الفك ما يراها كان الطبيب، وسنانها التاليين مكسرين بآلة حادة مش سوسة، والطفلة مرعوبة من الراجل هذا، هذا اعتداء وحشي واضح!”.

الكلمات نزلت عليا كيف الصاعقة. دورت عيني لإيناس، لقيتها متكمشة في تركينة المكتب، مغطية وجها بيدها وتشهق بالبكاء. قربت منها، عنقتها بدموع حارقة، وبديت نطلب منها السماح: “سامحني يا بنتي، سامحني عشتك مع الوحش هذا وأنا مغمضة عيني”. إيناس، ولأول مرة من شهور، تكلّمت وصوتها يترعش: “مامي… كان يهدد فيا بالسكينة في الكوجينة كيف تبدا أنت لبرا… قاللي لو تتكلمي نقتل أمك”.

في تلك اللحظة، تبخر الخوف وجاء في بلاصته غش يهد الجبال. تلوفت لمراد اللي كان ورا الدجاج المقوى يحاول ينكر، وصحت فيه بكل قهر الدنيا. الحاكم ما رحموش، وبعد تقرير الطبيب الشرعي اللي أكد الاعتداء والتعذيب النفسي والجسدي، تصدرت فيه بطاقة إيداع بالسجن في فيسع بتهمة محاولة القتل والاعتداء على قاصر. خرجوه مكبل بالحديد، وعينيه مليانة غل وهزيمة.

خرجت من المركز وأنا شادة بنتي في حضني، ريحة الهواء النظيف دخلت لصدري لأول مرة من سنين. الحقيقة كانت توجع برشا، أما المواجهة أحسن بألف مرة من عيشة الوهم والخوف. رجعنا لدارنا، سكرنا الباب ورا الكابوس، وعرفت اللي من اليوم، أنا وإيناس ماناش وحدنا، وثمة ديما خيط ضوء يظهر في أظلم اللحظات، ومزيّة دكتور حاتم والورقة هذيك، باش تقعد دين في رقبتي طول عمري.

زر الذهاب إلى الأعلى