
عمر قعد باهت والورقة ترعش في يدو، غزر لميساء وعينيه محلولين على كبرهم، وحس الصدمة شلّتلو تفكيرو. غزر للتصويرة القديمة الّي تجمع بوه المنجي مع الراجل الّي لابس مريول الخدمة الازرق، وبعد عاود غزر لشهادة التسجيل في الفاك متاع الطب. طلع صوتو واطي ومبحوح بالصدمة: “إنتِ بنت عمي صالح؟! الّي بابا قبل ما يموت وصّانا عليها والوصية متاعو مكتوبة بالخط العريض؟ قعدنا سنين نلوّجو عليك في كل قنت ومكان ومالقينالك حتى أثر!”
سيرين وجها لواه الصفار، وركبها ما عادش هازينها من الفجعة. حست الّي السلاح الّي كانت ناوياتو لميساء دار عليها وقصّلها نفسها. أما ميساء، فما عادش تفرق بين دموع الفرحة وغصّة السنين الّي تعدات وهي تحت سبّاط مرّت بوها. عمر ما ضيّعش حتى ثانية، هبط يجري وعيّط لأمّو للاّ فاطمة الّي طلعت تزرب. أول ما شافت الأوراق والتصويرة، شهقت شهقة غصت بيها، ودموعها هبطت حارّة. عنقت ميساء بكل قوتها وبدات تبوس فيها وتبكي: “بنيتي الغالية! ريحة الغالي صالح! يا ميساء، بوك كان شريك سي المنجي الله يرحمو في أول ورشة حلّيناها في باب الخضراء، والورث والشركات والفيلا هذي الّي عايشين فيها، شطرها متاع بوك ومتاعك أنتِ! مرّت بوك فوزية الله لا تربحها لغمت الحقيقة وخبّاتك علينا، وبدلت أرقامكم وعناوينكم بعد ما مات بوك باش تاكل حقّك وتستفرد بالورث الّي خلاهولك بوك ومسجّل في الدفاتر!”
في اللحظة هذيك، سيرين حست بالبساط يتجبد من تحت ساقيها والعزّ الّي عايشة فيه مهدد. حاولت بكل خبث تتبلّى على ميساء، وقالت بصوت يرتجف: “ثبّتوا يا خالتو! تطلعش الأوراق مزورة والطفلة هذي جاية بملعوب باش تسرقنا وتتحيّل علينا؟” عمر دار عليها وعينيه يقطرو بالشرار، وقفلهّا كالبرج العالي وقال بحدة وزئير هز البيت: “كلمة أخرى يا سيرين، وتلقي روحك برا الدار إنتِ وأمك توة بالذات! ميساء مولاة محل ومولات الدار، ومش قسّامنا الّي باش يخلّيك تهينها ولا تحل فمّك معاها!”
ميساء حست بروحها تولدت من جديد، الكرامة الّي تكسرت والذل الّي شافتو رجع وتلمع في لحظة وبان الحق. عمر ما وقفش غادكة، من غدوة الصباح جاب أكبر محامين في تونس، وبدات تتدك المدافع على فوزية مرّت بوها. جابو حق ميساء بالكامل، وخرجت فوزية بطرد قضائي وشرطة من الشقة الّي استولت عليها بغير وجه حق، وتفضحت قدام الحومة الكل وتبهدلت كيما بهدلت بنت اليتيم.
تعدّات الأشهر تلو الأشهر، وميساء رجعت لفكّ الطّب في تونس، تقرا وعمر شاددلها بفرّق، يوصّل ويجيب ويسهّر معاها الليالي وهي تحضّر. رجعت تلبس في البالطو الأبيض الّي حلمت بيه، أما المرة هذي هازة راسها للفوق ووراها سند قوي يحميها.
وفي نهار تخرجها الكبير، الفيلا في المرسى تملات بالزغاريد والناس والورود، وللاّ فاطمة كانت طايرة من السعادة وتوزع في المظبي والحلويات التونسية. عمر قرب من ميساء الّي كانت منورة بالبالطو الأبيض والشهادة في يدها. غزر لعينيها الّي رجع فيهم الضو وضحكتهم القديمة، وقاللها بنبرة كلها حب وتشويق: “ميساء.. المكتوب جابك لداري كأّنك معينة منزلية في ليلة شوم، أما توة، وقدام أمي والناس الكل، أنا الّي نطلب يدّك ونبوسها باش تولي مولاة الدار ومولات قلبي وحياتي.. أما فمّة سرّ آخر كبير مخبيه عليك، ولزمني نقولهولك توة بالذات.. سرّ يخص ورقة ثانية كانت مخبية في وسط وصية بابا، تخص أرض كبيرة في قمرت والشركة الجديدة الّي شريتها وكتبتها باسمك البارح.. ومستحيل تتوقعي شكون شريكي الثالث فيها…” ميساء تبسمت والدموع في عينيها حارّة وخفيفة، وحست الّي الدنيا كيف تدور وتظلم، تضوّي في اللخر وتجمّع القلوب الّي كاتبة لبعضها بعد ألف غصّة ووجيعة وظلام.








