أخبار

أنفاس تحت الماء.. وثأر لم يبدأ بعد

سقطت الكلمة من فم حماتي كقطرة سمّ، لتلتقطها أذناي وأنا مسمّرة في مكاني على درجة السلم. أمسكت بسور النحاس بكل ما أوتيت من قوة متصلبة، أظافري تغرس في المعدن البارد حتى كادت تدمى. كان قلبي يدق في صدري كطبول الحرب، والدوخة التي ظننتها غثيان بحر تبددت في لحظة لتفسح المجال لرعب خالص أذاب الجليد في عروقي.
ردّ مروان بمنتهى الجمود:
— أيوة يا أمي. الموج عالي الليلة، والتقرير طبيعي هيقول سقطت بسبب دوخة البحر وفعالية المهدئ. نرجع مصر، ناخد الـ٣٠٠ مليون جنيه، ونقفل الصفحة دي للأبد.
تراجعت خطوة للوراء بخفة ثعلب يصارع الموت. كان جسدي يرتجف، لكن عقلي المخدَّر فجأة استعاد كل طاقته. الضباب الذي غلفني لثلاثة أيام لم يكن سوى سمّ يقطر لي في الطعام والشراب، والأيدي التي كانت تطبطب عليّ بحنان، كانت تتفحص رقبتي لتعرف متى تحين لحظة الخنق. اليخت ليس سجني.. اليخت سيناريو جريمتهم.
عدت إلى الكابينة كأثر فراشة، ألملم بقايا الشجاعة. غسلت وجهي بالماء المثلج حتى استرددت وعيي بالكامل. أخذت هاتفي المحمول وخبأته في مفصل حقيبة ظهر صغيرة، ثم سحبت طافية نجاة مطاطية خفيفة كانت مخبأة تحت السرير، ووضعتها بجانب النافذة الخلفية للكابينة. لن أكون الضحية التي تنتظر القاتل لينفذ حزازه.
عندما حلت الساعة الحادية عشرة مساءً، دخل مروان الكابينة بابتسامته الذئبية المعتادة، يحمل كوباً من اللبن الدافيء:
— حبيبتي.. حاسة بإيه دلوقتي؟ خدي دي عشان تنامي مرتاحة.
مثّلت الإعياء الكامل، أسبلت جفنيّ ورطنت بكلمات غير مفهومة، واستلقيت كجثة هامدة. قبلني على جبهتي ببرود، وهمس: “وداعاً يا زوجتي العزيزة”، ثم خرج ليترك الباب مفتوحاً موارباً.
بمجرد أن اختفت خطواته، قفزت من السرير. سحبت طافية النجاة، فتحت نافذة الكابينة المطلة على الجزء الخلفي من اليخت، وقبل أن يدخلوا ليبحثوا عن جسدي للقيام بالدفن البحري، ألقيت بنفسي في حلكة البحر الأسود.
الماء المثلج صدم جسدي، لكنه أحيا فيّ رغبة الانتقام. طفوت بعيداً في العتمة، وأنا أراقب أضواء اليخت تتلاشى تدريجياً في أفق الغردقة. همست لنفسي وسط صخب الموج: لم أنتهِ يا مروان.. الـ٣٠٠ مليون لن تشتري لك كفناً، والغرق الذي أعددته لي.. سينتهي بك في قاع الجحيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى