
وقفت “سمرة” قدام المراية، تتفرج في خيالها بعينين ضايعتين. تعبت وفدّت من دور الزوجة المطيعة اللي تستنى في درجين مقابلة بين أربعة حيوط في هالدار اللي ولّت تشبه للحبس المذهّب. كل شيء فيها منظم ومنسق، أما بارد وفرغ من الحياة، بالضبط كيما إجابات راجلها المقتضبة والغامضة. علاش يصرّ باش يبعدها على القاعرة؟ وشنيّة السر الكبير هذا اللي يخليه يتهرب من مجرد الحديث في الموضوع كل ما تفتح معاه الحديث؟
ما نجمتش تتحمل دوّامة الأفكار اللي تكلّ وتصبّ في راسها. لبست دبشها بخطوات سريعة ومربوكة، ومن بعد تسللت على أطراف صوابعها خارجة من بيت النوم، مش في اتجاه الكوجينة باش تحضر العشاء كيما طلب منها، أما بخطوات حذرة ومترددة نحو بيت المكتب وين قاعد.
قربت من الباب المحلول شوية، وحبست نفسها وهي تسمّع. كان صوته خافت، يتكلم في تلفونه الشخصي بنبرة حادة وصارمة ما استأنستش بيها منه، نبرة فارغة تماماً من هالكه الحنان المزيف اللي كان يغدقوا عليها ملي كان معاها في البيت. سمعاته يقول بوضوح تام: “قلتلك قداش من مرة راهي ماهيش ماشية للقاهرة جملة! الوضع تحت السيطرة هنا، ما تخرجش من الدار، وما هيش باش تفيق بشيء… شنوّة؟ لا، مزال، سألتها اليوم باش نجرب نبضها كانها حبلة ولاّ لا، كان تصير راهي باش تتعقد الخطة كاملة، يلزمني نلقى طريقة باش نتخلص من هالأمكانية قبل ما تقع وتتخرب ترتيباتنا الكل”.
تحلت عينين “سمرة” بالصدمة اللي سكتتها، وحست وكأن سطل ماء بثلجه تصب على راسها، أبرد ببرشة من ماء الدوش اللي طاح عليها من شويه. “خطة؟ يتخلص من الإمكانية؟” الكلمات ترجع في أذنيها كيما حس انفجار. راجلها وحبيبها اللي كانت تحسب روحها عايشة معاه قصة حب، يتكلم عليها وكأنها عبء ولاّ جزء من مؤامرة خايبة يدبر فيها مع مرا أخرى في العاصمة!
في اللحظة الحاسمة هذيكة، تفكرت التلفون المخبي تحت ماكلة الفراخ، والفيديو اللي يوثّق وجوده في البقعة المشبوهة هذيكة بنفس الدبش. كانت الصورة مش كاملة، وتوا بدات قطع اللغز المرعب تتجمع قدام عينيها بوضوح يخوف. توخرت لتالي بشوية بشوية والدموع تحرق في عينيها، أما من كثرة ارتباكها ورعشة بدنها، ضربت ساقها في طاولة لوح صغيرة محطوطة في السقيفة، باش يطيح من فوقها تمثال خزف ويتقسم على الأرض بصوت قوي كسر هدوء الليل.
تقص صوت راجلها من داخل المكتب فجأة. عمّ سكات يرعب لثانية واحدة، قبل ما تسمع صوت الكرسي متاعه وهو يقوم بقوة، وتبعه صوت خطواته الثقيلة والسريعة ماشية نحو الباب. وقفت “سمرة” جامدة في بلاصتها ما تنجمش تتحرك، نفسها مقطوع، وقلبها يدق بقوة قريب يخرج من صدرها. تحل الباب على وسعه، وظهر هو بوجه مكشر وعينين تشعل بنظرة عمرها ما شافتها فيه، نظرة ذيب تنحى عليه القناع… باش يجمد الدم في عروقها وهي تفيق اللي المواجهة الكبيرة بدات، وأن حياتها بعد اللحظة هذه ماهيش باش ترجع أبداً كيما كانت!




