
تبدأ الحكاية بلقاء خيالي بين امرأتين من “رقود الجبانة” (المقبرة)، حيث دار بينهما حديث غريب حول من سينضم إليهما في ذلك اليوم. التفتت الأولى متسائلة عن ضيف اليوم، لتجيبها الأخرى بيقين: “لقد وصلني الخبر.. بنت النجار ستقع اليوم من السطح وينتهي عمرها قبل المغرب”.
ورغم تحسر الأولى على شباب الطفلة الصغيرة، إلا أن القدر كان يبدو وكأنه سيتخذ مساراً مأساوياً ومحتوماً. ولكن، ما لم تحسب له العجوزان حساباً، هو تفاصيل اليوم العادية التي عاشتها الفتاة في بيتها.
يوم شاق.. وكرم غير مشروط
استيقظت بنت النجار مع الفجر، صلت، ورتبت منزلها. وبطلب من والدتها، صعدت إلى السطح لتبدأ غسيل أغطية الشتاء (“البطاطن”)، وهو عمل شاق يتطلب جهداً ووصفاء بال.
ومع انتصاف النهار، نادتها والدتها لتناول وجبة الغداء، لكن الفتاة آثرت مواصلة عملها. وفي تلك الأثناء، مرّ متسول يطلب ما يسد رمقه تحت جنح الشمس الحارقة. لم تتردد الفتاة لحظة، وأطلت من السطح قائلة لأمها: “يا أمي، أعطيه غدائي”. أكل الرجل بلهفة ودعا لها ببركة العمر والوالدين ومضى.
لم تمر ساعات قليلة، حتى تعثرت الفتاة أثناء الغسيل وكادت أن تسقط من أعلى السطح، لولا أن قدمها تعلقت بخيوط البطانية في اللحظات الأخيرة، ليمر الخطر الأول بسلام.
العشاء الأخير.. والنجاة الإلهية
مع اقتراب المساء، فاحت رائحة “الملاوي” التونسية الزكية من مطبخ الأم، والتي حاولت مجدداً إقناع ابنتها بالهبوط للأكل. وبينما كانت الفتاة تصر على إنهاء آخر قطعة سجاد بين يديها، مرت امرأة محتاجة برفقة أطفالها الصغار.
مرة أخرى، جادَت بنت النجار بما تملك، وطلبت من أمها إعطاء عشاءها الكامل لتلك العائلة المحتاجة، معقبة: “سأنتظر قدوم أبي لآكل معه ما تيسر”.
وعند نزولها أخيراً، التوت قدمها وسقطت مغشياً عليها من التعب والإرهاق، وظنت الأم أن مكروهاً كبيراً قد أصابها، لكنها سرعان ما استفاقت برذاذ ماء بارد، لتنجو من موت محقق للمرة الثانية في يوم واحد.
العبرة المتوارثة: “دفعت بلاها في غداها وعشاها”
نعود إلى المقبرة، حيث وقفت المرأتان في ذهول يتساءلان: “أين بنت النجار؟ لمَ لمْ تأتِ وموعد المغرب قد حان؟”. هنا، تدخل رجل حكيم كان يستمع لحديثهما ليحسم الجدل بعبارة ذهبية تزن ذهباً:
“دفعت بلاءها في غدائها وعشائها!”
ما الذي نستفيده من هذه الحكاية؟
إن هذه الخرافة الشعبية، رغم بساطتها، تحمل أبعاداً إنسانية ودينية عميقة تتوافق مع قيم التكافل الاجتماعي:
صنائع المعروف تقي مصارع السوء: الصدقة وإطعام الطعام ليسا مجرد سلوكيات دينية، بل هما درع يحمي الإنسان من نوائب الدهر وحوادث الغفلة.
البركة في العطاء: لم تكن بنت النجار تملك الكثير، لكنها جادت بقوت يومها (غدائها وعشائها) طواعية، فكان الجزاء من جنس العمل: حياة جديدة.
إحياء التراث الشعبي: خلف كل قصة تونسيّة قديمة حكمة تربي الأجيال على الكرم وحب الخير للغير.
في النهاية، تذكروا دائماً أن نية طيبة وصحن طعام يُقدم بابتسامة للمحتاج، قد يكونان السبب الخفي وراء نجاتكم من مأزق أو بلاء لم تكونوا تعلمون عنه شيئاً.
ليلتكم زينة، ومليئة بالخير والبركة!








