
وقفت سلمى أمام مكتب الأستاذة منى، وأصابعها المرتجفة تحاول التماسك وهي ترى الظرف المغلق المكتوب عليه بخط يد والدها الراحل: «لا يُفتح إلا إذا أظلمت الدنيا في عينيكِ يا سلمى». في تلك اللحظة، رنّ هاتفها للمرة الثالثة، وكان المتصل هو كريم.
لم تُجب سلمى، بل تركت الهاتف يرن حتى انقطع الصوت، ثم أخذت أنفاسًا عميقة وقالت للمحامية بصوت ثابت رغم الموقف:
— «افتحي الظرف يا أستاذة منى.. أنا مستعدة لأي حاجة.»
فضّت المحامية الغلاف بحذر، وأخرجت منه أوراقًا رسمية مطوية إلى جانب دفتر مذكرات صغير. تنقلت عينا منى بين السطور بسرعة، وقبل أن تتكلم، ظهرت على وجهها علامات الصدمة والاندفاع، ثم رفعت رأسها وقالت بلهجة حادة:
— «أبوكي ما كانش مجرد صيدلي بسيط يا سلمى.. والدك كان ممتلك وثائق ملكية لأرض تجارية ضخمة متسجلة باسم الصيدلية القديمة، والأرض دي قيمتها اليومين دول تعدي الملايين! والأهم من كده.. أبوكي اكتشف قبل وفاته بأيام إن كريم كان بيحاول ينقل ملكية الأسهم دي لنفسه بتوكيل مزور، ولما خطته فشلت، انتظر الوقت المناسب عشان يستغل حساسية جسمك ويخلص منك بهدوء من غير ما يثير أي شبهة جنائية!»
ساد الصمت في المكتب لحظات، وكأن الزمن توقف. لم تبكِ سلمى ولم تصرخ، بل شعرت بقوة غريبة تسري في جسدها، قوة المرأة التي أدركت الخديعة وقررت ألا تكون ضحية بعد اليوم. أخرجت هاتفها، وكتبت رسالة قصيرة لكريم ردًا على طلبه المُلِحّ:
«المفاتيح معايا في الصيدلية.. تعال خدهم بنفسك دلوقتي عشان تفتح المخزن اللي أنت مستنيه من سنين.»
خرجت سلمى من مكتب المحامية وهي تحمل الحقيبة التي تضم أدلة التحليل الجنائي للمادة السامة والظرف المغلق، متجهًا نحو الشارع الرئيسي في مدينة دسوق. كانت أضواء الصيدلية تتلألأ من بعيد في ظلام الليل، وفي الداخل، كان كريم ينتظرها والشرر يتطاير من عينيه طمعًا في النهاية التي خطط لها طوال هذه السنوات.
لكن ما لم يكن يتوقعه كريم، هو أن سلمى لم تأتِ وحدها، وأن مفتاح الصيدلية لن يفتح له باب الثروة.. بل سيفتح عليه أبواب جهنم!
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




