أخبار

سرّ تحت البلاطة: حرب حمزة الأخيرة

لم ينخلع الباب تحت ضربات أتباع مدحت في تلك الليلة، بل انخلع الخوف نفسه من قلب حمزة. وضع الصندوق الحديدي بحذر في يد الطفلة شهد، وأشار إليها بالصمت والانسحاب من النافذة الخلفية المطلة على شجرة الجوافة المهجورة. وقف هو وحده في ظلمة الصالة، يواجه الرجال الذين سلبوا منه ثماني سنوات من عمره. لم تكن المواجهة بالسلاح أو العنف؛ فحكمته السابقة وس سنوات السجن علّمته أن القوة الحقيقية تكمن في كشف الورق المستور في الوقت المناسب.
حين اقتحم مدحت البيت مصحوبًا بشركائه، وقف حمزة بثبات ولم تتردد عيناده، بل واجه ابن عم أبيه بالاسم القديم، وبدلاً من أن يدخل معه في عراك جسدي، نظر في عينيه مواجهة مباشرة وأخبره بثقة مطلقة أنه يعلم بشأن “محمود” الحيّ، وأن أدلة الجريمة المفتعلة والوثائق المخبأة أصبحت في حوزته خارج جدران هذا البيت المهدوم. ذلك الانكشاف المفاجئ شلّ حركة مدحت، وشعره بالرعب من حقيقة أن سرّه الأكبر الذي دفنه لسنوات بات مهددًا بالانهيار.
في الأيام التالية، لم يندفع حمزة إلى الانتقام الأعمى، بل توجه بالرسائل والعقود الصريحة إلى النيابة العامة والجهات القضائية، محاطًا بمحامٍ شريف قرر التكفل بالقضية بعد رؤية الأدلة الموثوقة بخط الجدة رضوى. وبعد تحقيقات مكثفة ومعاينة المزرعة المنعزلة، تم العثور على الشخص المدّعى قتله محتجزًا هناك، كشاهد حيّ على أبشع مؤامرة شهدتها القرية.
أما الجدة رضوى، فلم تكن قد قُتلت كما خشي حمزة، بل كانت قد نُقلت قبل عامين إلى دار رعاية مسنين في مدينة مجاورة على يد مدحت لإبعادها وإصماتها بعد أن اكتشفت أمره. أعادها حمزة إلى جواره، واجتمع شمل الثلاثة: الشاب الذي ردّ اعتباره، والجدة التي لم يفقد أملها، والطفلة شهد التي وُفرت لها حياة كريمة ورعاية حقيقية بعد أن أنقذت سراً كان كفيلاً بإعادة الحق لأصحابه.
لم تعد أزقة كفر العزايزة كما كانت؛ فقد سقط الأقنعة وتهاوت سيطرة مدحت الذي انتهى به المطاف خلف الأسوار ذاتها التي سُجن فيها حمزة ظلمًا. وفي نهاية المطاف، أُعيد بناء البيت القديم، وزُرع النعناع من جديد في الحوش، ليكون شاهدًا على أن العدالة قد تتأخر، لكن الحقيقة لا تُدفن تحت البلاط إلى الأبد 🌿.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى