
تعدات خمسة أيام كاملة والوقت واقف في حدائق المنزه، وحازم ومراته أمل عايشين في قلب جحيم بارد ما ينطفيش. التليفون ساكت وميرنش، والبانكة تضرب ورا بعضها بإنذارات وتهديدات بالمحاكم، والمكتوب اللي لصقوه عدول التنفيذ على باب دارهم الجديدة من شركة السكنى كان يعطيهم مهلة بأربعة وعشرين ساعة برك للخلاص وإلا يلقاو رواحهم في الشارع وفضيرتهم بين الجيران في الإقامة اللوكس. أمل نهار كامل وهي تبكي وتصيح، وجهها شاحب والماكياج واللبسة الغالية طار مفعولهم، ولت تدز فيه وتقول له كلم أمك تصرف، ذل روحك ليها، هبط رغبتك واطلب منها الفلوس، وإلا راني باش نهز قشي ونمشي لدار بابا وتو نطلب الطلاق وناخذ منك النفقة!
حازم كبريائه اتمسح في القاع، قعد يجرّب يطلب في رقمي ليل مع نهار يلقى الـ “بلوك” يرجع له الصدى الملعون، بعثلي ميساجات مع قرايبه، كلم خالاته، لكن أنا كنت واضحة مع الكل: “ولدي ومات نهار اللي باعني برخص التراب على خاطر قميص نوم وريحة التقلية”. حتى جاء نهار الثلاثاء العشية، حازم حس بالدنيا ضاقت بيه والحيطان بدأت تقرب لبعضها، ما عادش فيه جهد للمكابرة، ركب في كرهبته اللي تمشي بالقدرة والـ “ريزيرف” متع الإيسونس شاعل بالبرتقالي، وقصد حي ابن خلدون، الحومة القديمة اللي كبر فيها وعطاها بظهره.
-
ابتسامة عند المأذون… وسقوط خلف القضبان! 😉🔥منذ 23 ساعة
ساقيه كانت رصينة وتيبست قدام عتبة الدار اللي عاش فيها صغره، دق الباب دقات خفيفة ويده ترعش كأنه سارق، مش كأنه ولد جاي لأمه. أنا كنت قاعدة في الصالون، نسمع في الدق، قمت على مهلي، حليت الباب ووقفت بكل ثقة وعزة، متلفعة بملحفتي التونسية الحرة. خزرلي وعينيه حُمر من قلة النوم والدمعة حايرة فيهم، هبط راسه وصوته مخنوق ومكسور وقال: “أمي سامحني، راني ضعت والدنيا دارت عليا، الدار باش تفتك منا وغدوة يطردونا، والبانكة بلعت شهريتي ومرتي تحب تطلق، أنا جيتك طالب السماح وندمان، اغفرلي يا أمي ورجع الفيرمون برك يسندني هالأيامات.”
غزرت له بنظرة جافة، نظرة خالية من أي عاطفة قديمة، ما حركت فيا دموعه حتى شعرة، وقلت له بكل هدوء وبلهجة تقص المسمار: “يا حازم، الدار اللي تحكي عليها سكرت كتابها وهدّت حيطانها نهار اللي سكرت في وجهي التليفون وقلت لي ريحتك خبيز وطبيخ قديم. الفلوس اللي كنت ندفعهالك من لحمي الحي ومن ورا قراص الخضار وسوق سيدي البحري، مشات اليوم في بلاصتها الصحيحة. أنا مشيت البارح للمعتمدية وللجمعية الخيرية في الحومة، وعملت بيهم صك جاري مستمر باسم العائلات المعوزة واليتامى.. الفلوس هذك مشات للناس اللي تعرف قيمة النعمة وتدعيلي بالرحمة، مش للي يتأفف من ريحة أمّه.”
حازم هبط على ركايبه في وسط الدروج وهو يبكي بالصوت، وعرفت ساعتها اللي وجيعة التربية المرة عطات أكلها وتو برك عرف قيمتي وقيمة الفرنك اللي كان يتبغدد بيه قدام مراته. غزرت له النظرة الأخيرة، ودزيت الباب وسكرته في وجهه بكل قوة وراحة، ورجعت لسريري دافية ومتهنية، تنهدت تنهيدة طويلة خرجت معها تعب سنين وشقاء كامل، ونمت وأنا نعرف اللي صلة الدم المسمومة تتقص كيف تولي رخاصة، واللي خذا حقه بالدينار والمليم ينعم بأحلى نومة في الديرة القديمة








