
وقفتُ أرتجف كأنني أتلقى صفعة علقت في الهواء سنوات طويلة. نظرتُ إلى خالتو رأفت وسألتُها بصوت مبحوح: “حقيقة إيه يا خالتو؟ أمي كانت مخبية إيه؟” مسكت بيدي وقالت بأسى: “أمك مكنتش بتاخد أدوية بالآلاف زي ما فايزة بتقول لك، فايزة كانت بتاخد منك فلوس العلاج والممرضات وتشتري لأمك أرخص دواء وتدفع للبنت اللي بتخدمها المليم، وتكتب لك فواتير مزورة مع دكتور صحبها! وفي آخر أيام أمك، اكتشفت إن فايزة خلتا تمضي على تنازل عن الشقة بعقد بيع وشراء وهي مش في وعيها، بس أمك ذكية… قدرت تأخد أصل العقد المزور مع دفاتر توفير بأسامينا من شنطة فايزة، وشقت المرتبة الرمادية وخبت الورق كله جوة الشلتة تحت السوست من الناحية الشمال!”
لم أنتظر ثانية واحدة. خرجتُ أركض في الشارع كالمجنونة، تاركة خالتو رأفت تنادي عليّ. اتصلتُ بالسائق الذي أخذ المرتبة بعد أن رجوتُ جارس العمارة ليُعطيني رقمه، وعرفت أنه نقلها إلى مخزن كبير لبيع الأثاث المستعمل والروبابيكيا في أطراف المحافظة.
وصلتُ إلى المخزن والأنفاس تتصاعد من صدري كاللظى. كان المكان يعج بالركام والغبار، لكنني لمحتهما في الزاوية… الموظف كان يستعد لتقطيع المرتبة لاستخراج السوست الحديدية. صرختُ فيه ليتقف، ودققتُ بأصابعي المرتجفة في الناحية الشمال من الجانب السفلي، حتى شعرتُ ببروز صلب بين بطانة القطن. أخرجتُ مطواة صغيرة من حقيبتي وشققتُ الثوب الرمادي… لتسقط في يدي أظرف بلاستيكية مختومة.
كانت الأوراق تحتوي على عقد البيع المزور المزيف بتوقيع أمي وهو مغصوب، وبجواره دفتر توفير باسمي أنا، كانت أمي تدخر فيه كل جنيه أرسلته لها من أجل مستقبلي ومستقبل ابني، مع رسالة بخط يدها الضعيف تقول: “يا ليلى… اختك باعتني بالرخيص وأخدت شقايا، بس أنا سيبت لك حقك وحق ابنك تحت جسمي عشان لما أموت تعرفي إن اللي صانك هو اللي ساب لك الأثر.”
عدتُ إلى الشقة فورًا. كانت فايزة تجلس تبحث في أدراج المكتبة بنزق. ألقيتُ بالعقد المزور ودفتر التوفير على الطاولة أمامها. شحب وجهها وتجمعت الدموع في عينيها من الخزي والصدمة، ولم تستطع أن تنطق بحرف واحد.
لم أصرخ، ولم أفتعل جلبة؛ بل أخذت مفاتيحي وأوراقي وخرجتُ وأنا أعلم أن أمي لم ترحل وهي مكسورة، بل غادرت وهي تحميني حتى آخر أنفاسها.




