
حفرت بأظافرها، وجدت حفرة صغيرة فيها علبة حديدية لطماطم مصدية، وبداخلها مفتاح حديدي صغير وقطعة ورق صفراء كتب عليها: “للي تخاف ربي، الأمانة تحت المزود”.
المزود هو مكان علف الغنم قديماً في وسط الدار. كان هناك مزودان. قلبت الأول، لا شيء. الثاني كان ثقيلاً جداً. بمساعدة جارتها العجوز “خالتي مبروكة”، أزاحته.
تحته لم يكن هناك ذهب. كان هناك دفتر حسابات مدرسي قديم غلافه ازرق، و 23 ظرفاً صغيراً كل ظرف مكتوب عليه اسم امرأة، ورسائل حب قديمة جداً من رجل اسمه “المختار” ليس جدها.
فتحت الدفتر. الصفحة الأولى: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمانات نساء حومتنا، أنا لا أملك منها شيئاً، فاطمة بنت الحاج عمار، 1984”.
بدأت تقرأ: “سعاد بنت مصطفى – 3 فردات ذهب – تريد الطلاق من زوجها السكير وتخاف أن يأخذهم. زهرة – 450 دينار – جمعتها من بيع الخبز خفية لتزوج ابنتها. جميلة – سوار و200 دينار – لعملية ابنها المعاق”.
23 امرأة! جدتها لم تكن مجرد عجوز، كانت بنك النساء السري الوحيد في منطقة لا تملك فيه المرأة حق فتح حساب بنكي دون زوجها.
وفجأة سمعت صوت الباب الحديدي للدار يفتح بعنف. كان ابن خالها “عادل” السكير، الذي كان يراقبها من أيام. دخل وثيابه مبللة: “سمعتكم أنت ومبروكة تحفروا. جدتك كانت مرابية وتخبي في الفلوس. وين الذهب؟ هذا ورث العائلة الكل، موش ليك وحدك!”
في تلك اللحظة، وتحت ضوء الفلاش الضعيف لهاتفها، رأت نرجس في الزاوية التي كان فيها المزود، صندوقاً خشبياً كبيراً جداً لم تره من قبل، مغطى بالتراب، يفوق طوله متراً. كان هذا هو الصندوق الحقيقي
:
ترددت نرجس. لو فتحته أمامه سيأخذه بالقوة. فصرخت: “مافما شيء! هذا دفتر ديون قديمة! هيا اخرج!”
لكنه لم يصدق وتقدم ليفتح الصندوق. نرجس في لحظة شجاعة لم تعهدها في نفسها، أخذت عصا خشبية كانت بجانب المزود وضربت على الصندوق بقوة، فانفتح غطاؤه المتآكل وسقط على الأرض.
انبهر الاثنان. لم يكن فيه دنانير، بل كان مليئاً حتى الحافة بمئات القطع: خلاخيل، عقود خناق بالليرة، أساور عريضة، لويز ذهبي، ومئات القطع النقدية الصفراء تلمع.
عادل تجمد، ثم قال بلهفة: “هاذا كنز… باش نوليو أغنياء… باش نشري كميونة ونهج من هالفقر!”
نرجس نظرت إلى الدفتر الذي في يدها، ثم إلى الذهب الذي أمامها، وفهمت أخيراً وصية جدتها. لم تكن الجدة تعطيها مالاً، بل كانت تعطيها مسؤولية ثقيلة.
قالت له بهدوء: “هذا موش رزقنا. هذا دمعة 23 امرأة صبرت على الجوع والضرب باش تخبي هاذم. لو تأخذه، باش تسرقهم مرة ثانية”.
في الصباح، لم تذهب للشرطة. جمعت الـ 23 امرأة، منهن من أصبحت عجوزاً مثنية الظهر، ومنهن من ماتت وجاءت ابنتها. جمعتهن في وسط دار جدتها، وأمام ذهول عادل والعائلة، فتحت الصندوق الكبير أمام الجميع كما في الصورة.
صمت رهيب، ثم انفجرت واحدة تصرخ: “هذا خناق أمي اللي باعته باش تداويني!” وأخرى تبكي وتقول: “هذا سواري اللي خبيته نهار ضربني زوجي!”.
أعادت نرجس كل أمانة لصاحبتها بالاسم والدليل من الدفتر. أما الذهب الذي لم يأتِ أحد للمطالبة به (لأن صاحباته توفين)، فلم تأخذه لنفسها. اشترت به 3 ماكينات خياطة، وفرن خبز كبير، وفتحت في نفس الدار جمعية صغيرة أسمتها “أمانة فاطمة” لإقراض نساء المنطقة الداخلية قروضاً صغيرة بدون فوائد.
عادل، بعد أن رأى دموع النساء، استحى وخرج ولم يعد يطالب بشيء، بل أصبح هو من يوصل الخبز للجمعية بدراجته.
نرجس التي جاءت لتبيع داراً قديمة، وجدت نفسها وريثة لثقة قرية كاملة. وبقيت هناك.




