
بصيت لأمي باستغراب، وما فهمتش هي تقصد إيه بكلامها السريع ونظراتها اللي فيها خليط من الإصرار والحيرة. مسكت إيدي وقالت لي بنبرة هادية بس مصممة: “ياسمين كبرت في عينيا بكتير لما سكتت واحترمت كبر سن أبوك وما ردتش بكلمة في لحظة غضب، والكسرة اللي في عينيها دي ما يداويهاش غير جبر الخاطر. يلا بينا ننزل الماركت نجيب الجمبري ونعمله سوا في البيت قبل ما يرجع أبوك من شغله”.
في الأول اتصدمت وترددت جداً، وحسيت إن اللي بنعمله ده ممكن يفتح باب لمشكلة أكبر في البيت لو أبويا عرف أو حس بحاجة، لكن لما شفت الدمعة المكتومة في عين أمي، فهمت إن المسألة مش مجرد أكلة أو صنف أكل بيتقدم على السفرة، المسألة كانت كرامة إنسانة دخلت بيتنا جديدة وكان لازم تحس إنها بين أهلها ومش غريبة أو معزولة. نزلت مع أمي بسرعة واشترينا اللي محتاجينه ورجعنا المطبخ، وبدأنا نجهز الأكل بكل حب واهتمام عشان نلحق الوقت 🍤.
كانت الريحة المعبقة في المطبخ بتملى البيت بالدفا، وياسمين لما خرجت من أوضتها وشافت اللي بنعمله عشانها، عينيها اغرورقت بالدموع، بس المرة دي كانت دموع امتنان وفرحة حقيقية. حضنت أمي وشكرتها من قلبها، وحست إن الضيقة اللي عاشتها إمبارح بدأت تختفي وتحل محلها محبة صادقة وأمان. ولما كريم رجع الضهر وشاف السفرة جهزت وأمه ومراته بيضحكوا سوا وبصحة جيدة، ملامح وجهه المشدودة اتفكت تماماً، والنظرة التايهة اللي كانت في عينيه استبدلت بابتسامة راحة وهدوء.
قبل ما أبويا يرجع من شغله، كانت أمي محددة كل حاجة بذكاء وبطريقة تحفظ هدوء البيت. قعدت مع كريم وياسمين وقالت لهم بكل حكمة وعقلانية: “البيت ده بيتك يا بنتي، وأبوك راجل دقة قديمة وطبعه صعب وشايل هم المصاريف، بس قلبه مش قاسي، والظروف ساعات بتخلي الشخص يتكلم بقسوة من غير ما يقصد. الأكل أهوه موجود بالهنا والشفا، وكلوا وافرحوا، والسر ده هيفضل بيننا عشان نحافظ على الاستقرار وما نفتحش باب للزعل أو الخلافات”.
لما رجع أبويا، شاف البيت هادي وكل حاجة قائمة بنظامها المعتاد، وما لاحظش أي حاجة متغيرة، لكن الفرق الحقيقي كان في النفوس داخل البيت. الترقب والتوتر اللي كانوا يهددوا بخراب العلاقة بين العيلة اتحولوا لدرس صامت وجميل في الحكمة وجبر الخواطر. اتعلمت في اليوم ده إن الكلمة الطيبة والتصرف الرحيم من أطراف العيلة المقربين ممكن يرمموا أي شرخ تسببه العصبية أو سوء الفهم، وإن الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة هو الساس الحقيقي اللي بيحمي أي بيت من الانهيار ❤️.




