
استجمعتُ ما تبقى من ثباتي، وأشرتُ للرجال عند الباب بضرورة إغلاق كافة المداخل ومنع الخروج أو الدخول. نظرتُ إلى نورة التي كانت ترتجف كالورقة في مهب الريح، وركعتُ على ركبتي أمام الطفولة البريئة التي نكأت جرحاً غائراً ظلّ ينزف في خفاء. مسحتُ على شعر “ليان” الصغير، وسألتها بصوت خفيض يحاول ابتلاع الغصة: “مين طنط الشـ.ـريرة يا حبيبتي؟ ومريم فين دلوقتي؟”.
رفعت الصغيرة أصبعها نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو الملحق الخلفي الذي كنتُ قد أغلقتُه فور الحادثة. هناك، كانت الإجابة تنتظر منذ عامين. نورة لم تحتمل الضغط، فجثت على ركبتيها وهي تبكي وتترجى الرحمة، معترفة بكل شيء: “والله يا سليم باشا كنت خايفة على بنتي! أخت زوجتك المرحومة هي اللي تدبر كل حاجة، هي اللي هربت المدام والمرحومة الصغيرة ليلة الحريق وسجلت حادثة وهمية بالاتفاق مع الممرضة عشان تاخد الفدية وتسيطر على أملاك العيلة، وهي اللي حابسة البنت في الشالية القديم وتهددني ببنتا لو نطقت بكلمة!”.
في تلك اللحظة، لم أعد ذلك الرجل الذي يحرك الأسواق بنفوذه، بل صرتُ أباً يستعيد أنفاسه بعد طول خنق. لم يكن هناك مجال للانتقام العنيف أو المظاهر السينمائية، بل تصرفتُ بحكمة وواقعية شديدة. تواصلتُ فوراً مع الجهات الأمنية المختصة وقدمتُ كافة الأدلة والمعلومات التي اعترفت بها نورة، وفي غضون ساعات قليلة، كانت القوات تقتحم المكان المذكور وتنهي الكابوس بشكل قانوني ورسمي.
تم القبض على المتورطين جميعاً، وعادت مريم إلى أحضاني. لم تكن العودة سهلة، فالسنوات التي قضتها بعيدة تركت آثاراً وبحاجة إلى علاج نفسي وتأهيل طويل، لكنها كانت هنا، تتنفس وتستعد لبدء حياة جديدة معي. أعدتُ فتح القصر، ورفعتُ الستائر السوداء، وأصبحت تلك الترابيزة الطويلة تجمعنا كل ليلة، مع نورة وبنتها اللتين أفرجتُ عنهما بعد إثبات تعرضهما للتهديد والابتزاز. علمتني هذه التجربة أن القوة الحقيقية ليست في النفوذ والأموال، بل في الحفاظ على الأمل وعدم الاستسلام للظلام مهما بدا هائماً وشاسعاً.




